وما بنا أن نعيد الحديث عن أثر الإيمان باليوم الآخر، والبعث والحشر والحساب والجزاء والجنة والنار، في حياة الإنسان. ولكنا نقول: ما أضيق أفق الإنسان، وما أضل تصوراته حين يحصر اهتمامه وإيمانه بالحياة الدنيا وحدها، منقطعة عن الآخرة .. وما أوسع أفقه، وما أصوب تصوراته حين يؤمن بالآخرة، ويضع الحياة الدنيا في وضعها الصحيح، وحجمها الحقيقي ..
أرأيت لو أغمضت إحدى عينيك وقرّبت أصبعك من عينك الأخرى حتى لتكاد تلمسها .. كما ترى حجم أصبعك؟! وكم تحجب عنك أصبعك من مساحة الأفق من حولك؟! ثم جرّب أن تجعل أصبعك على آخر مدّ ذراعك .. كم ترى الآن حجمها؟! وكم من مساحة الأفق تستطيع أن ترى وراءها؟!
ذلك مثل الإنسان حين يلصق بالأرض .. بالطين .. تبدو الأرض أمامه هائلة هائلة، وتحجب عنه الرؤية لما وراءها من آفاق .. أما حين يجعلها من نفسه على آخر مد الذراع، فهو يراها على حقيقتها، ويرى في الوقت ذاته ما وراءها من آفاق:
(وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) [1] .
ومع ذلك فإن الله لم يطلب من الناس -في منهج لا إله إلا الله- أن يهملوا الأرض ويحتقروا شأنها فلا يعمروها. بل أمرهم أمرًا بعمارتها [2] .. ولكنه وجههم فقط إلى رؤيتها في حجمها الحقيقي، لكي لا تحجب عنهم اليوم الآخر، وفي وضعها الصحيح، فلا يفتنهم متاعها الزائل عن المتاع المقيم ..
يشتمل"المقتضى الإيماني"للا إله إلا الله على أمور بينها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حديث"هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم"،"قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره" [3] .
ولكل واحدة من هذه المفردات مهمة تؤديها في"المقتضى الإيماني"ليس هنا مكان تفصيلها، إنما نشير إشارة عابرة إلى الإيمان بالقدر، ودوره في طمأنينة قلب المؤمن لما يصيبه في الحياة الدنيا من صروف ..
إنه لا شيء يسكب الطمأنينة في قلب الإنسان أكثر من أن يؤمن"بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه .." [4] وأن مقادير الأمور بيد الله وحده، يصرفها كيف يشاء سبحانه .. ثم أن يؤمن أن إرادة الله به كلها خير:"إن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن" [5] .
وفي مقابل القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية والخمر والمخدرات والجريمة، في الجاهلية التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر، ولا تؤمن بقضاء الله وقدره توجد الطمأنينة في القلب المؤمن، ويوجد الرضا الذي يحمل عن الأعصاب إصرها ..
ولكن الإيمان بقضاء الله وقدره -في منهج لا إله إلا الله- ليس هو التواكل السلبي، وليس هو القعود عن اتخاذ الأسباب، وليس هو التنصل من مسئولية الإنسان عن أعماله حين يخطئ فتصيبه نتائج خطئه .. إنما هو نسيج فريد عرفته الأجيال الأولى من المسلمين حق المعرفة، ويعرفه على مدار التاريخ كل من آمن بالله على بصيرة [6] .
(1) العنكبوت: 64.
(2) سيأتي الحديث عن عمارة الأرض عند الكلام عن"المقتضى الحضاري"للا إله إلا الله.
(3) أخرجه مسلم.
(4) أخرجه مسلم.
(5) أخرجه مسلم.
(6) راجع إن شئت"مفهوم القضاء والقدر"من كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".