الصفحة 74 من 105

هذا المفهوم الشامل للا إله إلا الله في الرسالة المحمدية -بمقتضياته التي تحدثنا عنها في الفصل السابق- هو الذي أخرج"خير أمة أخرجت للناس".

لقد كانت هذه المقتضيات أوسع وأشمل ما ورد من مقتضيات للا إله إلا الله في تاريخ أي أمة سبقت .. وكان هذا طبيعيًا ومنطقيًا مع اكتمال الدين من ناحية:

(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) [1] .

وختم الرسالة من ناحية أخرى:

(مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) [2] .

وكونها رسالة موجهة للبشرية كافة من ناحية ثالثة:

(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) [3] .

(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [4] .

فإذا كانت هي التي اكتمل بها الدين، وهي الموجهة للبشرية كافة، وهي الباقية إلى قيام الساعة؛ لأنه لا رسالة بعدها ولا رسول، فقد لزم في علم الله وتقديره أن تكون مقتضياتها شاملة لكل صغيرة وكبيرة في حياة الأمة التي تحملها وتتحرك بها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ..

وكذلك هي في حقيقتها كما رأينا فيما مر بنا من إشارات إلى أبرز مقتضياتها ..

كيف انحسرت تلك المقتضيات إذن في حس الأجيال المتأخرة -إلا ما رحم ربك- حتى صارت مجرد كلمة تنطق باللسان؟!

تلك رحلة طويلة خلال التاريخ، تحدثت عن بعض معالمها في كتاب"واقعنا المعاصر" [5] .. ولكن لا بد من الإشارة هنا إلى أبرزها لنعلم كيف أفرعت لا إله إلا الله تدريجيًا من محتواها الحي، وكيف صاحب ذلك ضمور تدريجي في حجم الأمة بمقدار ما أهملت من مقتضيات لا إله إلا الله؛ حتى إذا صارت لا إله إلا الله في نهاية الأمر مجرد الكلمة التي تنطق باللسان، صارت الأمة إلى ذلك الغثاء الذي أخبر عنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

"يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال. أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل" [6] :

من أبرز العوامل التي عملت على تفريغ لا إله إلا الله من مقتضياتها الفكر الإرجائي الذي يقول: إن الإيمان هو التصديق القلبي، أو هو التصديق القلبي والإقرار اللساني، وليس العمل داخلًا في مسمى الإيمان!!

وقد نعجب من دخول هذا الفكر ساحة الإسلام .. والإسلام كله عمل ..

لا الدعوة تقوم بغير عمل وجهاد ..

ولا الدولة تقوم بغير عمل وجهاد ..

ولا تطبيق الشريعة يقوم بغير عمل وجهاد ..

ولا إقامة مجتمع يلتزم بأوامر الله ويطبقها في عالم الواقع يقوم بغير عمل وجهاد ..

ولا إعداد القوة التي أمر الله بإعدادها يتم بدون عمل وجهاد ..

ولا عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني تتم بدون عمل وجهاد ..

لا شيء .. لا شيء .. فكيف تدسس ذلك الفكر الدخيل إلى ساحة الإسلام، ووُجِدَ فيه من يقول: إن الإيمان هو التصديق والإقرار وليس العمل داخلًا في مسمى الإيمان؟!

لقد جاءت البلوى من عدوى المنطق والفلسفة [7] ، حيث أريد الإتيان بتعريف"فلسفي"، أو"منطقي"للإيمان، فقال قائلهم: إن التعريف يجب أن يكون تحديدًا للشيء بحيث يكون هو هو لا يتغير، ولا يزيد ولا ينقص، وهو التصديق والإقرار!

(1) المائدة: 3.

(2) الأحزاب: 40.

(3) سبأ: 28.

(4) الأعراف: 158.

(5) اقرأ إن شئت فصل"خط الانحراف"وفصل"آثار الانحراف".

(6) أخرجه أحمد وأبو داود.

(7) سنتحدث في ثنايا الفصل عن أثر الغزو الفكري اليوناني في الفكر الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت