الصفحة 56 من 105

خامسًا: المقتضى الفكري

للمسلم تصور خاص عن الكون والحياة والإنسان، وصلتها جميعًا بالله الخالق البارئ المصور، مستمد من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، يختلف في كلياته-وقد يختلف في بعض جزئياته- عن تصور الجاهلية، وينشأ عن هذا الاختلاف اختلاف في طريقة التفكير، وفي منهج الحياة، وفي النظرة إلى"القيم".. وفي كثير من الأمور [1] .

لذلك فإن الدعوة إلى اتخاذ طريقة الغرب في التفكير والتصور من أجل مساكنة أهل القرية الظالمة، هي في الحقيقة دعوة إلى التخلي عن مقوماتنا الذاتية، والانخراط في"القطيع البشري"تحقيقًا لقول الشاعر القديم وإن يكن على نطاق مختلف:

وهل أنا إلا من غُزية إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد!!

ويصبح"الرأي العام العالمي"أو"ثورة التكنولوجيا"هما الرب الجديد في حياتنا، بدلا من قبيلة الشاعر العربي القديم [2] !

إن"المعلومات"الجزئية الوصفية عن تركيب الكون والحياة والإنسان قد لا تختلف بالنسبة للمؤمن والكافر، متى أصبحت حقائق علمية نهائية [3] ، لأن مثل هذه الحقائق لا دخل فيها للرؤية الذاتية ولا"للموقف"الذاتي .. ودور"العلم"فيها هو رصدها وتسجيلها، ومحاولة استخلاص"قانون عام"لها كلما أمكن ..

أما حين يتصدى"العلم"لتفسيرها، فهنا يختلف الوضع .. ويختلف كثيرًا بين المؤمن والكافر ..

ونضرب مثالًا للتوضيح ..

من المتفق عليه علميًا أن جميع المواد تتقلص بالبرودة فتزداد كثافتها ويثقل وزنها ما عدا الماء، فإنه حين يصل إلى درجة التجمد يزداد حجمه وتقل كثافته ويطفو إلى أعلى ..

والعلم يسجل هذه الظاهرة، فلا يختلف في تسجيلها ووصفها أحد من البشر، مؤمنًا كان أو كافرًا، لأنها حقيقة علمية موضوعية لا شأن لها بموقف الإنسان .. بل إنها موجودة على هذا النحو من قبل أن يُخْلَقَ الإنسانُ ذاته!

ولكن بينما ينظر"العالم"الجاهلي إلى هذه الظاهرة على أنها إحدى الظواهر الموجودة في"الطبيعة"ولا يزيد على ردها إلى تلك"الطبيعة"التي لا يعلم أحد على وجه التحديد ما هي، والتي قال عنها دارون إنها تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق [4] ثم قال عنها بعد ذلك إنها تخبط خبط عشواء .. ! [5] فإن العالم المسلم يرى فيها تدبيرًا ربانيًا لحفظ ما خلق الله من الكائنات الحية في مياه البحار (والأنهار والمحيطات بطبيعة الحال) ؛ لأنه لو كان الماء كبقية المواد يتقلص بالبرودة ويثقل وزنه لهبط الجمد إلى القاع، وقتل في طريقه كل ما يصادفه من الكائنات الحية، أما حين جعله الله يتمدد في حالة التجمد ويطفو على السطح، فهو يكوّن سقفًا حافظًا للكائنات الحية طيلة فترة الشتاء!

وما أبعد فارق الرؤية بين النظرتين .. وما أبعد التأثير في القلوب!

الكون والحياة والإنسان في تصور المسلم كائنات من خلق الله .. أوجدها الله بمشيئته، ودبر شأنها بمشيئته، وأعطاها هيئتها، و"قوانينها"بمشيئته:

(1) اقرأ بالتفصيل في هذا الموضوع كتاب"خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"بجزئيه: الخصائص والمقومات لسيد قطب.

(2) سبقت الإشارة إليه.

(3) يجب التفريق جيدًا بين الحقائق العلمية وبين النظريات.

(4) راجع نظرية دارون في أي مرجع من مراجعه، واقرأ على سبيل المثال كتابه"التطور".

(5) راجع نظرية دارون في أي مرجع من مراجعه، واقرأ على سبيل المثال كتابه"التطور".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت