لما فتح أبو عبيدة بن الجراح الشام، وأخذ الجزية من أهلها اشترطوا عليه أن يحميهم من الروم (الكاثوليك) ؛ لأنهم كانوا يسيئون معاملتهم بسبب اختلاف المذهب وإن كانوا كلهم نصارى. فقبل أبو عبيدة الشرط وتعهد بحمايتهم من الروم مقابل أخذ الجزية. ثم سمع أن هرقل يجهز جيشًا جرارًا لاسترداد الشام من المسلمين. فرد الجزية إلى أهل الشام وقال لهم: لقد اشترطتم علينا أن نحميكم، وقد سمعتم ما يجهز لنا، وإنا لا نقدر على ذلك (أي على حمايتكم) ونحن لكم على الشرط إن نصرنا الله عليهم! ونصره الله .. فعاد أهل الشام يؤدون الجزية بنفوس راضية، وقالوا للمسلمين: أنتم -ولستم على ديننا- أرأف بنا من أهل ديننا .. ثم دخلت غالبيتهم في الإسلام ..
وانتشر الإسلام فيما وراء الهند (إلى أندونيسيا) من خلال أخلاقيات التجار المسلمين الذين تعاملوا معهم بنظافة الإسلام وسماحة الإسلام، فأحبوا الدين الذي يخرج هذه النماذج البيضاء الناصعة البياض -لا بلون الجلد وإنما بما في القلوب- فدخلوا في الإسلام ..
هكذا كانت الأمة وقت تمسكها الحقيقي بمقتضيات لا إله إلا الله، وهكذا كانت -بأخلاقياتها- تنشر في الأرض حضارة تنير الطريق للبشرية كلها، ومنها أخذت أوربا حوافز نهضتها حين أرادت النهوض [1] ..
ولكنها اليوم -إلا ما رحم ربك- صِفْرٌ من أخلاقيات لا إله إلا الله، وتبدو الجاهلية إلى جانبها أمة عالية الأخلاق!
إن أخلاقيات أوربا -من حيث الشكل- هي أخلاقيات الإسلام في الحقيقة ..
الصدق .. الأمانة .. المحافظة على الوعد .. الإخلاص في العمل .. الجد والنشاط والمثابرة .. احترام حقوق الغير .. النظافة .. والفارق أنها في الإسلام أخلاق يراعيها الناس لله، وهي في الجاهلية المعاصرة محصورة في دائرة التعامل الاجتماعي. أما السياسة فلا أخلاق لها، ويباح فيها الكذب والخداع والغش. والاقتصاد لا أخلاق له، فيباح فيه أكل أموال الناس بالباطل عن طريق الربا، والخداع بالإعلان، وإغراء الناس بكل الوسائل؛ لتَنْفَقَ البضائع المكدسة سواء كان فيها فائدة للناس أو ضرر، ولتنتفش جيوب الرأسماليون وبطونهم. وعلاقات الجنس فوضى لا مثيل لها في التاريخ ..
ولكن أين الأمة الإسلامية اليوم من الأخلاق؟!
إننا لا ندعو إلى أخلاقيات كأخلاقيات أوربا النفعية الجزئية .. ولكنا نتساءل: أين الأمة الإسلامية من الأخلاق إطلاقًا: نفعية أو غير نفعية .. مظهرية أو حقيقية؟!
أنقول ردة جاهلية؟!
حتى الجاهلية العربية -ودع عنك الجاهلية المعاصرة- كانت لها"أخلاقيات"! أين منها اليوم مجتمعاتنا وتعاملاتنا!
إنها نكسة بئيسة انتكستها هذه الأمة، حتى بدت الجاهليات إلى جانبها ذوات أخلاق!
ولا علاج لها إلا أن تعود فتعرف أولًا أن الأخلاق هي جزء من مقتضيات لا إله إلا الله، ثم تربي أبناءها على أخلاقيات لا إله إلا الله، فإن المعرفة وحدها -إن بقيت معلومات في داخل الذهن- لا تقدم ولا تؤخر في واقع الحياة [2] !
(1) سنتكلم في فقرة تالية عن"المقتضى الحضاري"للا إله إلا الله.
(2) سنتكلم في فصل قادم عن واجب الصحوة الإسلامية تجاه لا إله إلا الله ومقتضياتها.