سادسًا: المقتضى الحضاري
نتحدث كثيرًا عن الحضارة التي أنشأتها الأمة الإسلامية في وقت ازدهارها، سواء في المشرق أو المغرب، وخاصة في الأندلس، ونعدد مزاياها، وما تفردت به عن غيرها، وما تلاقت فيه مع غيرها، وما برع المسلمون في أدائه، وما أثروا به في نهضة أوربا ..
نتحدث عن ذلك كله على أنه من نتاج الإسلام، ونحن صادقون في ذلك، فإن الأمة التي حملت الإسلام لم تكن لها قبل إسلامها مشاركة تذكر في شئون الحضارة، ثم صارت بعد إسلامها مصدرًا من مصادر الحضارة في الأرض ..
ولكن الذي أريد أن أبرزه هنا ليس هذا المعنى الذي أشرت إليه في أكثر من كتاب .. إنما أريد أن أقول إن ما حدث من الأمة المسلمة من إنتاج حضاري لم يكن أمرًا تطوعيًا تقوم به الأمة إن شاءت وتتركه إن شاءت، إنما كان مقتضى من مقتضيات لا إله إلا الله، تلتزم الأمة الإسلامية بأدائه، وتلام إذا لم تقم به، لأنها -إن لم تقم به- تكون مقصرة في أداء أحد التكاليف التي كلفها الله بها وهو ينزل عليها مقتضيات لا إله إلا الله ..
ولقد أشار الغزالي إلى هذا المعنى حين أشار إلى فروض الكفاية، التي تأثم الأمة إذا لم يقم بها أحد من أبنائها، ويسقط عنها الإثم إن قام بها من يحسن القيام بها ..
الإنتاج الحضاري هو -على أقل تقدير- من فروض الكفاية المفروضة على الأمة، وإن كنت أرى أن بعض جزئياته هي من فروض العين، التي يلزم أن يقوم بها كل إنسان يشهد أن لا إله إلا الله.
ولننظر من أين أتى التكليف، وكيف صار جزءًا من مقتضيات لا إله إلا الله.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [1] .
(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [2] .
(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [3] .
(وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) [4] .
(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [5] .
كلها تكاليف -صريحة أو ضمنية- موجهة إلى"الإنسان"، الذي جعله الله خليفة في الأرض .. وكلها من مهام الخلافة التي خلق الإنسان من أجلها .. وأبرزها عمارة الأرض ..
فإذا كان هذا تكليفًا للإنسان عامة، الذي جعله الله خليفة في الأرض، وجزءًا من مهامه في الأرض، فمن أولى الناس أن يقوم بالتكليف؟ إنه ولا شك"الخليفة الراشد"، المؤمن بالله، الملتزم بما جاء من عند الله ..
ولكن المهم في التزام الإنسان المؤمن، ليس فقط أن يقوم بعمارة الأرض، فهذا يقوم به الكافر كذلك، ولكن أن يقوم بعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني .. وهذا -بالذات- هو المقتضى الحضاري للا إله إلا الله ..
إن الإنسان مدفوع بفطرته إلى الإنتاج .. الإنتاج الحضاري بالذات ..
(1) البقرة: 30.
(2) هود: 61.
(3) الجاثية: 13.
(4) الإسراء: 12.
(5) الملك: 15.