الصفحة 63 من 105

إنه مفطور على الرغبة في"تصنيع"المادة الخامة التي يجدها من حوله في الأرض، وتلك إحدى مزاياه التي تفرد بها عن الحيوان الذي يتناول الخامات على حالها، وإن استخدمها في عمل مسكن، أو عش كما تصنع الطيور فهو يجمّعها ويرتبها على نسق معين، ولكنه لا يغير طبيعتها الخامة كما يصنع بها الإنسان، إذ يحولها بالصهر والسحب والطرق والتفاعلات الكيميائية من حالها الأصلي إلى حالة جديدة .. وقد كان هذا وحده يكفي للرد على دارون في تفسير الحيواني للإنسان .. فهذا الأمر لا يحدث نتيجة"التطور"إنما هو في فطرة كيان"الإنسان".

ثم إنه ليس مفطورًا على الرغبة في تصنيع الخامات فحسب، بل مفطور كذلك على الرغبة في"التحسين"المستمر لمصنوعاته، والوصول بها إلى درجة الكمال أو درجة الجمال ..

والتصنيع والتحسين والتجميل كلها من مزايا الإنسان التي تفرد بها عن الحيوان .. وكلها من مقومات"الحضارة" [1] .

ولكن المعيار الحقيقي للحضارة ليس هذا، أو ليس هذا وحده على أقل تقدير ..

إن البراعة في التصنيع والتحسين والتجميل جهد يحسب للإنسان، ويتفاضل فيه فرد عن فرد، وجماعة عن جماعة، وأمة عن أمة .. ولكنه وحده لا يكفي للحكم على الإنجاز ..

نقول للتقريب: في مناهج التعليم مادة تسمى"مادة رسوب"بمعنى أن من رسب فيها لا يعتبر ناجحًا ولو حصل على الدرجة النهائية في جميع المواد الأخرى (وهي في مناهجنا مادة اللغة العربية في الغالب) ومواد أخرى لا بد من النجاح في كل منها، ولكن الرسوب فيها يعتبر رسوبًا جزئيًا، يمكن أن يعوضه الطالب بإعادة الاختبار في تلك المادة وحدها، ولا يعيد المواد كلها كمن رسب في"مادة الرسوب"..

و"مادة الرسوب"في الإنجاز الحضاري هي الرد على هذا السؤال: هل كان كل ما قام به الإنسان من تصنيع وتحسين وتجميل متمشيًا مع غاية الوجود الإنساني، محققًا لها، أم كان معاكسًا لهذه الغاية، معوقًا عن تحقيقها؟

هذا هو المعيار الحق، الذي تقوّم به الحضارات [2] ..

فأين مكانه في المقتضى الحضاري للا إله إلا الله؟

آية واحدة في كتاب الله تكفينا للدلالة، وإن كانت الآيات الدالة كثيرة ..

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [3] .

إن ذكر النشور هنا -في معرض المشي في مناكب الأرض والأكل من رزق الله- بما يتصل بالنشور من حساب وجزاء، هو للتذكير"بالمنهج"الذي يلتزم به الإنسان المسلم وهو يمشي في مناكب الأرض ويسعى في طلب الرزق .. هو المنهج الرباني .. هو الالتزام بالحلال والحرام، والمباح وغير المباح .. أي الالتزام بما جاء من عند الله .. وهو مقتضى لا إله إلا الله:

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [4] .

ذكر الآخرة والإنسان يسعى في مناكب الأرض، يصنّع ويحسّن ويجمّل، والالتزام بما ينجي الإنسان في الآخرة، من عبادة لله وحده دون شريك، والتزام بما جاء من عند الله .. هو الذي يحقق غاية الوجود الإنساني، وينشئ"الحضارة"الصحيحة ..

(1) راجع إن شئت كتاب"دراسات في النفس الإنسانية".

(2) تحدثت عن هذا الموضوع في كتاب"حول التفسير الإسلامي للتاريخ"، في فصل"معيار الإنجاز البشري".

(3) الملك: 15.

(4) القصص: 77.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت