إن"الحضارة"ليست مجرد البراعة في الإنتاج المادي، وإن كان هذا مطلوبًا للنجاح والتمكين في الأرض، ولكن هذه البراعة وحدها، من غير الالتزام بالمنهج الصحيح لا تنشئ حضارة حقيقية، أو قل إنها تنشئ"حضارة جاهلية"إن صح التعبير [1] . حضارة تحقق جانبًا من كيان الإنسان ولا تحقق كيانه كله، ولا تحقق أثمن ما فيه. وتدمره في النهاية!
إن التصنيع والتحسين والتجميل في المجال المادي، هو مما أنعم الله به على الإنسان، وفضّله به على كثير ممن خلق .. ولكن أثمن ما منّ الله به عليه هو عالم القيم ..
(وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [2] .
وبغير هذه التقوى -التي هي حصيلة الإيمان بالله الواحد، والإيمان باليوم الآخر- يصبح التصنيع والتحسين والتجميل في الجانب المادي مهلكة للإنسان -كما هو الحادث اليوم في الجاهلية المعاصرة؛ لأنه يغري بمزيد من الانطلاق مع الشهوات، ومزيد من الصراع على المتاع الأرضي؛ فيحدث الدمار الذي كتبه الله على الفجار:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [3] .
الحضارة الحقيقية إذن هي التي تعمّر الأرض بمقتضى المنهج الرباني. هي التي تجمع أمر الدنيا والآخرة. أمر الجسد والروح. أمر العمل والعبادة. هي التي تأخذ الإنسان كله، بحسياته ومعنوياته، بنشاط جسده ونشاط عقله ونشاط روحه. بإبداعه في عالم المادة وارتفاعه في عالم القيم .. هي حضارة"الإنسان"في أفقه الأعلى .. يدب على الأرض بقدميه، وقلبه معلق بالسماء ..
وقد كانت كذلك الحضارة الإسلامية حين كانت الأمة في أوجها ..
ما من مجال من مجالات النشاط الخيّر إلا خاضه المسلمون .. بناء المدن. تعبيد الطرق. السياحة في الأرض لكشف مجاهيلها. استغلال ما سخّر الله للناس من طاقات السماء والأرض في البناء والتعمير. التقدم العلمي. التهذيب الخلقي. الصدق. الأمانة. الجد والجلد والمثابرة .. وكل الخصال التي تنشئ أمة عظيمة ..
ولكن انظر إلى المدينة الإسلامية ..
إن مركزها الذي يتجمع الناس فيه، وينطلقون منه، هو المسجد الجامع .. ويا له من جامع!
إنه ليس السوق، وليس ملاعب اللهو الماجن كما هو اليوم مركز المدينة في الجاهلية المعاصرة ..
إنه المكان الذي يتذكرون فيه ربهم، ويتعبدون إليه، وفيه يتلقون علم دينهم .. وإنهم ليمشون في مناكب الأرض يومهم كله، بحثًا عن رزق الله. ولكنهم ينطلقون ابتداء من هذا المكان، ثم يعودون إليه على فترات متقاربة، ليؤدوا صلاتهم، فيذكرهم بالآخرة التي هم عائدون إليها بعد حياتهم الدنيوية القصيرة، فيسعون لها سعيها، ويحققون بذلك أمر الله:
( .. فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) [4] .
(وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [5] .
إن المسجد لم يشدهم إليه؛ ليمكثوا فيه ويكفوا عن السعي في مناكب الأرض .. والسعي في مناكب الأرض لم يلههم عن الرجوع إلى المسجد؛ ليتزودوا فيه بالطاقة اللازمة لمسيرة الحياة:
(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) [6] .
(1) يصح إذا أخذنا الحضارة بالمصطلح اللغوي أي فعل أهل الحضر.
(2) الحجرات: 13.
(3) الأنعام: 44 - 45.
(4) الملك: 15.
(5) الإسراء: 19.
(6) البقرة: 197.