رابعًا: المقتضى الأخلاقي
استوقفني كثيرا حديث للرسول -صلى الله عليه وسلم-:
"أربع من كُنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر" [1] .
استوقفني لأن النفاق قضية متعلقة بالعقيدة، والكذب والغدر وخلف الوعد والفجور في الخصومة قضايا أخلاقية ..
سبحان الله! كيف يتصور قوم إذن أن الأخلاق لا صلة لها بالعقيدة؟!
لقد كانت صلة الأخلاق بالعقيدة قضية بديهية عندي .. وكنت أكتب عن"أخلاقيات لا إله إلا الله"مستيقنًا وجود هذه العلاقة التي لا تنفصم بين لا إله إلا الله وتلك الأخلاقيات ..
لذلك عجبت ذات مرة، في أثناء مناقشة رسالة جامعية لطالب في قسم العقيدة، ركز فيها على صلة الأخلاق بالعقيدة في الإسلام، حين قال له أحد المناقشين محتدًا: ما علاقة الأخلاق بالعقيدة؟! العقيدة كما تعلمناها في دراستنا إلهيات ونبوات وسمعيات! أما الأخلاق فموضوع مستقل!
دهشت لأن المناقش كان رجلًا مشهودًا له بحسن الاطلاع وسعة الأفق، وهو داعية ذو شهرة واسعة .. وكان تعليقي يومها أن الفصل بين لا إله إلا الله ومقتضياتها هو السبب الأكبر فيما آلت إليه حال الأمة من الضياع ..
في أول سورة أنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لفتة أخلاقية واضحة، بينما السورة أنزلت لبيان العقيدة الصحيحة التي بعث بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمواجهة الجاهلية التي تملأ يومئذ وجه الأرض.
(اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى، أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى، إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى، أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى، أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى، أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى، كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَه، سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ، كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) [2] .
إنها بداية تعريف الناس بربهم؛ ليعبدوه وحده بلا شريك ..
وفي غير هذا الكتاب [3] أشرت إلى أن بداية التعريف كانت بذات المعلومات التي كان المشركون يعرفونها بالفعل: أن الله هو الذي خلق، وأنه خلق الإنسان من علق. وتلك معلومات سجل الله عليهم أنهم كانوا يعرفونها ويقرون بها:
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [4] .
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [5] .
(كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ) [6] .
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ) [7] .
ولكن هذه المعرفة التي سجلها الله عليهم لم تكن تؤتي ثمارها في قلوبهم، لأن الشرك كان قد أفسد البذرة الحية في تلك القلوب .. بذرة الإيمان بالله الواحد، التي فطر الله الناس عليها:
(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [8] .
(1) أخرجه مسلم.
(2) العلق.
(3) في كتاب"دراسات قرآنية".
(4) لقمان: 25.
(5) الزخرف: 87.
(6) المعارج: 39.
(7) الواقعة: 62.
(8) الروم: 30.