الصفحة 47 من 105

وبالإضافة إلى هذه"المعنويات"كلها -وإن كانت كلها معنويات ذات واقع حسي- يجعل في أموال الأغنياء فريضة يجمعها ولي الأمر- ويقاتل من يمتنع عن أدائها- وينفقها على المحتاجين إليها ..

ويجعل بيت المال في النهاية مسئولًا عن كل من قعدت به ظروفه عن العمل، أو جعلته دون المستوى اللائق بالنسبة لحال الأمة كلها من الغنى أو الفقر ..

فإذا كان ذلك كله فلماذا يسرق السارق؟!

إنه -إن فكر في السرقة- فهو غير معذور!

وعندئذ تكون قسوة العقوبة التي تنتظره وسيلة لصده عن التفكير في ارتكاب الجريمة ..

ومع ذلك كله فإنه إن سرق بالفعل فلا يطبق عليه الحد حتى يتأكد الحاكم أنه غير معذور!

سرق غلمان لحاطب بن بلتعة ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم إلى عمر -رضي الله عنه- فأقروا فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم، فلما ولّى رده وقال لحاطب: والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم فتجيعونهم، حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه لحل له .. لقطعت أيديهم. فإذ لم أفعل فلأغرمنك غرامة توجعك. ثم التفت إلى المزني فقال: بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة. فقال لحاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة!

أي روعة في العدل الرباني، المتمثل في شريعة الله .. !

أين يذهب العلمانيون من وجه الله وهم يرفضون هذا الهدي الرباني الرائع ويبحثون عن قوانين ظهر فسادها في بلادها، وضجرت منها مجتمعاتها؟!

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [1] .

تلك إشارات عابرة إلى بعض ما تميزت به الشريعة الربانية، ولكن هذا ليس مبحثنا في هذه العجالة. إنما هدفنا هنا التركيز على نقطة معينة هي الصلة الوثيقة بين العقيدة والشريعة في دين الله، وأن الحكم بما أنزل الله هو أحد المقتضيات المباشرة للا إله إلا الله، كالمقتضى الإيماني والمقتضى التعبدي .. كلها جذور أساسية للإيمان، لو نقضت كلها أو نقض واحد منها ذهب أصل الإيمان.

(1) المائدة: 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت