الصفحة 46 من 105

فالاختلاف في تفسير النص وارد، والاختلاف في الاستمداد من القواعد الثابتة من أجل استنباط أحكام لما يجد من المصالح المرسلة وارد .. وهو أمر قديم عرفه الفقهاء منذ كان هناك فقهاء، وأقر بعضهم بعضا على مبدأ الخلاف، ولم يروا فيه ثَلْمًا للشريعة ولا إلغاء لها، ولا تحويلاَ لها إلى شيء صوري لا وجود له في الحقيقة ..

والمغالطة القبيحة المكشوفة هي إغفال الحدود التي يجتهد فيها المجتهدون، وتصوير عملية الاجتهاد كأنها تجري بلا ضابط! إن الاجتهاد حدوده ألا يحل حرامًا، أو يحرم حلالاَ، وألا يخالف مقاصد الشريعة ..

وفرق ضخم في عالم الواقع بين اجتهاد يلتزم بهذه الحدود -مهما اختلف المجتهدون فيما بينهم- واجتهاد لا ضابط له إلا النظر البشري، أو قل: الهوى البشري والقصور البشري!

والمسألة أوضح من أن تحتمل المِحال والمماحكة ..

هل يستوي المجتمع الذي يجتهد الفقهاء فيه، ولكنهم يلتزمون -مهما اجتهدوا- بتحريم الفاحشة، والمجتمع الذي يؤدى فيه الاجتهاد إلى إباحة الفاحشة سوية وشاذة؟!

هل يستوي المجتمع الذي يجتهد الفقهاء فيه، ويلتزمون -مهما اجتهدوا- بتحريم الربا، والمجتمع الذي يؤدي الاجتهاد فيه إلى إباحة الربا وجعله هو أداة النشاط الاقتصادي .. المدمّر!

هل يستوي المجتمع الذي يجتهد الفقهاء فيه، ويلتزمون -مهما اجتهدوا- بتطبيق الحدود [1] ، والمجتمع الذي يؤدي الاجتهاد فيه إلى التخفيف المستمر في العقوبة، الذي أدى إلى التزايد المستمر في الجريمة .. ؟!

أما إذا التزمنا في الاجتهاد بمقاصد الشريعة، فماذا يبقى للعلمانيين؟!

يلفت نظرنا كذلك في هذا الدين كون التشريع واحدًا من الأدوات التي يصان بها المجتمع من الفساد، ولكن الشريعة لا تعمل وحدها. ومن ثم فليس الأمر فيها أنها"قانون"يمكن أن يستبدل به قانون آخر! إنما هو كتاب أحكمت آياته وفصلت من لدن عليم حكيم. إنه منهج متكامل في معالجة الأمور .. لا يأخذ الأمور فرادى، ولا يضع العلاج لها فرادى ..

ولنأخذ نموذجًا من تطبيق الحدود ..

حد السرقة قطع اليد ..

وحين تعرض المسألة من خلال هذه الجزئية وحدها تتحفز بعض الألسنة للاستنكار باسم"إنسانية"التعامل حتى مع المجرم .. وتتململ بعض الأفكار في بعض الرءوس: أو لم يكن الأنسب أن تكون العقوبة أقل قسوة؛ السجن مثلًا مدة من الزمن .. ؟!

وينطلق هؤلاء وهؤلاء من جهل مطبق بالإسلام، وانبهار بالغرب يستعبد الأرواح ..

إن الإسلام لا يأخذ الأمر من جانب العقوبة وحدها، ولا يبدأ العلاج بتطبيق العقوبة .. إنما العقوبة آخر شيء يلجأ إليه الإسلام ..

إنما المنهج الرباني يهدف إلى منع أسباب الجريمة أولًا؛ لكي لا تحدث ابتداء [2] ..

يبدأ بترسيخ الإيمان بالله واليوم الآخر، وإيجاد الصلة الحية بين العبد وربه .. الصلة التي تولّد في القلب الحياء من الله، والحب الذي يؤدي إلى الطاعة، والخوف الذي يؤدي إلى الامتناع عما يغضب الله:

(وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ) [3] .

ثم يقوي أواصر التواد والتراحم في المجتمع، وترسيخ"الأخوة"بين المؤمنين:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [4] .

ثم يشد رباط الأسرة، وهي المحضن الذي يتربى فيه الطفل صغيرًا، لينشأ على أخلاقيات الإسلام [5] .

(1) لا يعالج الإسلام الجريمة بالعقوبة وحدها، ولا يبدأ بالعقوبة، كما سيتبين في السطور القادمة.

(2) اقرأ إن شئت فصل"الجريمة والعقاب"من كتاب"الإنسان بين المادية والإسلام".

(3) الإسراء: 57.

(4) الحجرات: 10.

(5) سنتكلم في الفقرة التالية (رابعًا) عن المقتضى الأخلاقي للا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت