الصفحة 27 من 105

أولًا: المقتضى الإيماني

أشرنا من قبل إلى الأهمية البالغة التي يوليها كتاب الله لقضية الإيمان بالله الواحد، ونبذ الآلهة الزائفة كلها، وإخلاص العبادة لله وحده بلا شريك. وأنه لم يكن السبب في التركيز عليها أن المخاطبين الأوائل بهذا القرآن كانوا مشركين، إنما بسبب الأهمية الذاتية لهذه القضية، النابعة من كون الإنسان عابدًا بفطرته، وأنه إما أن يعبد الله وحده، وإما أن يعبد غيره، معه أو من دونه سواء. وأنه لا بد من تطهير النفس البشرية من كل عبودية زائفة لغير الله، وتوجيه العبادة بكل أنواعها إلى الإله الحقيقي، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، ليرتفع الإنسان إلى المقام الذي كرمه الله به وفضله على كثير من خلقه، ولكي ينجو في الحياة الدنيا من الهبوط الذي يتمثل في الشرك بكل أنواعه، وينجو في الآخرة من النار ..

وقلنا: إن الفطرة بذاتها -كما خلقها الله- عابدة لله على استقامة. ولكنها عرضة للمرض والانحراف بتأثير البيئة الفاسدة التي تفسد صفاءها واستقامتها ..

وحين تختل الفطرة، وتنحرف عن استقامتها، يصيبها كثير من الأمراض ..

أمراض في الرؤية، وأمراض في السلوك. أمراض في الفرد وأمراض في المجتمع .. أمراض في الكيان النفسي، والكيان الاجتماعي، والكيان السياسي، والكيان الاقتصادي، والكيان الأخلاقي .. وفي كل جانب من جوانب النفس، وكل جانب من جوانب الحياة.

يهبط الإنسان مع الشرك دركات من الهبوط ..

وإذا أخذنا الجاهلية المعاصرة نموذجًا، لأنها تحسب نفسها شيئًا فريدًا في التاريخ، وأنها أعلى ما وصل إليه الإنسان في التاريخ كله، فلننظر أنواع الهبوط التي ابتلي بها"الإنسان"في هذه الجاهلية ..

لأسباب بيناها في غير هذا الكتاب [1] ، حصر الإنسان نفسه في محيط ما تدركه الحواس فحسب، وألغى من عالمه الإيمان بما لا تدركه الحواس.

ومن ثم فقد معنى وجوده!

إن الإنسان حين يفقد الإيمان بالله واليوم الآخر، لا يستطيع أن يرى الصورة في تمامها الذي أنشأه الله"بالحق"، وخلق من أجله السموات والأرض"بالحق"، فيراها عندئذ شوهاء مبتورة غير ذات معنى ولا حكمة ولا قيمة.

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [2] .

(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [3] .

(إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) [4] .

وحين يفقد الإنسان معنى وجوده ينطلق هائمًا كما انطلق الشاعر الجاهلي المعاصر [5] يقول:

جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت!

ولقد أبصرت قدامي طريقًا فمشيت!

وسأمضي في طريقي شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!

ويمضي يتخبط .. يقطع الطريق كالسائمة ..

فإنه حين لا يدرك لحياته معنى ولا حكمة، يستحيل عليه أن يؤمن"بالقيم"التي ترفعه عن عالم الحيوان، فينتكس إلى أسفل، فيصبح أضل من الحيوان:

(1) اقرأ إن شئت فصل"العلمانية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

(2) المؤمنون: 115.

(3) ص:27 - 28.

(4) يونس: 4.

(5) إيليا أبو ماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت