الصفحة 68 من 105

سابعًا: المقتضى التعبيري

"قل، وروح القدس معك"!

هكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لحسان بن ثابت -رضي الله عنه-، وهو ينافح بشعره عن الدعوة، وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونفهم من هذا التوجيه النبوي لحسان بن ثابت -رضي الله عنه-، لا مجرد الإباحة، بل الحث والتحضيض ..

بل أحس كأنه تكليف .. !

فمن حق الدعوة على الذين وهبهم الله موهبة البيان أن يعطوها حقها مما وهبهم الله ..

ولكنه على أي حال فرض كفاية .. إذا قام به البعض سقط الإثم عن بقية الأمة، وجاز لبقية من يملكون الموهبة البيانية أن ينصرفوا لهمومهم الخاصة!

ولكن هناك فرض عين عليهم جميعًا .. على كل مسلم يملك الموهبة البيانية والقدرة على التعبير الفني .. أن يلتزموا في نشاطهم التعبيري بمقررات الإسلام؛ وهذا هو المقتضى التعبيري للا إله إلا الله.

ما بنا هنا أن نتحدث عن منهج التعبير الإسلامي، فذلك بحث متخصص، وكل حديثنا في هذه العجالة إشارات [1] ..

ولكنا معنيون في هذه العجالة بأمر رئيسي، هو بيان الصلة بين كل نشاط يقوم به المسلم وبين عقيدته، تحقيقًا لقوله تعالى:

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [2] .

والرغبة في التعبير عن مكنون النفس في صورة جمالية رغبة فطرية، وإليها يرجع وجود الآداب والفنون في تراث كل أمة عاشت على الأرض منذ عهد الكهوف إلى وقتنا الحاضر .. وإذا كان الموهوبون في هذا المجال قلة بالنسبة لمجموع الناس، فإن بقية الناس يشاركون بالتلقي، والاستمتاع بالإنتاج الفني والحفاوة به، لأنه يعبر لهم عن مكنون نفوسهم، فيتمثلون به وينشدونه كأنهم هم القائلون .. !

وما دام هذا نشاطًا فطريًا -سواء بالإنتاج أو التلقي- فهو داخل في نطاق الآية .. داخل في"محياي".. ويجب -في الإسلام- أن يكون لله رب العالمين ..

ويتبادر إلى أذهان كثير من الناس حين يسمعون هذا القول أن الأدب -أو التعبير الفني- يجب أن ينقلب كله وعظًا، ليكون أدبًا دينيًا، ويكون"لله رب العالمين"..

وليس المقصود ذلك

إن للوعظ مكانه، ومكانته .. ولكن حين ينقلب كل كلامنا وعظًا فإنه يضر أكثر مما ينفع ..

يقول الصحابة رضوان الله عليهم: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة (أي بين الحين والحين) مخافة السآمة ..

فإذا كان هذا حال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع صحابته الكرام رضوان الله عليهم، الذين كانوا يتلقفون كل كلمة ينطق بها، ليتعلموها ويعملوا بها، يقينًا منهم أنها طريقهم إلى الجنة .. فكيف بنا نحن البشر العاديين إذا حوّلنا كل قولنا إلى وعظ؟!

كلا! ليس الفن وعظًا .. وإن كان للموعظة مدخلها إلى الفن حين تكون كلامًا بليغًا يهز مشاعر النفوس.

إنما التعبير الفني تعبير غير مباشر، يصل إلى نفوس الناس ويؤثر في وجدانهم من خلال مواقف حية، ومشاعر معروضة، وتصرفات دالة، لا من خلال الموعظة المباشرة ..

فما الذي يجب على المسلم الذي وهب الله له القدرة على التعبير الجمالي؟

إن الدعوة في حاجة دائمة لمن يذود عنها .. فالحرب عليها قائمة أبدًا لا تفتر، لأنها حرب الشيطان التي توعد بها البشر:

(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ [3] صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) .

(1) اقرأ إن شئت كتاب"منهج الفن الإسلامي".

(2) الأنعام: 162 - 163.

(3) الأعراف: 16 - 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت