ثانيًا: المقتضى التعبدي
إذا كان المقتضى الإيماني قد اقتضى الإيمان بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، واقتضى التوحيد الخالص لله: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات؛ فإن المقتضى التعبدي يقتضي توجيه كل ألوان العبادة لله وحده بلا شريك، كما يقتضي أن يعبد الله بما أمر سبحانه أن يعبد به، لا بما يعنّ للعباد أن يعبدوه به.
ومحور القضية أنه إذا كان الله هو الإله الذي لا إله غيره، فتوجيه كل ألوان العبادة إليه وحده هو الأمر الطبيعي والمنطقي، كما أن التلقي من عند الله وحده في أمر العبادة -ككل أمر آخر- هو الأمر الطبيعي والمنطقي كذلك.
وقد ركز المنهج القرآني كثيرًا على هذه القضية، لأنها تتصل اتصالًا مباشرًا بقضية العقيدة. فليست العقيدة في هذا الدين أمرًا مستسرًا في داخل الضمير، هُلامِيّ الصورة غير محدد السمات .. إنها في أعماق القلب، نعم. وإنها أمر متصل بالجانب الروحي، نعم. وإنها لا تكون في صورتها الحقيقية حتى تملأ الوجدان، نعم .. ولكنها مع كل ذلك ليست شعاعًا هائمًا في القضاء .. إنما هي نور محدد المسار، مهمته الكبرى أن يضبط مسار كل شيء، ويحدد له وضعه الصحيح.
إنها تصور معين، تصحبه مشاعر معينة، تصدر عنه أعمال معينة ..
تصور معين لحقيقة الألوهية، بقدر ما يطيق الكيان البشري أن يتصور ..
إن الفاني لن يحيط علمًا بالأبدي الأزلي .. وإن الجزئي لن يحيط علمًا بالكلي .. وما كلف البشر أن يحيطوا علمًا بكنه الألوهية، وهم الذين حُجِبَ عنهم كنه كل شيء حتى الماديات المحسوسة التي يتعاملون معها في كل لحظة، يعرفون صفتها ولا يعرفون كنهها .. وها هو ذا"العلم"بعد أن فجر نواة الذرة وحلل محتوياتها، وقف عاجزًا أمام"الكنه"الذي تتكون منه، واكتفى بالصفات!
كلا! لم يكلف الله البشر أن يحيطوا بكنه الألوهية، وهو يعلم أنهم عاجزون ..
ولكنه عرفهم بنفسه بالطريقة التي يعلم سبحانه أنهم يستطيعون أن يعرفوه بها، لأنه هو الذي خلق فيهم سبحانه هذه القدرة وأودعها فيهم؛ ليعرفوه ..
(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [1] .
عرفهم بنفسه بصفاته وأسمائه .. وعلم سبحانه أنهم حين يعرفون هذه الأسماء والصفات حق المعرفة، فقد عرفوا ربهم، بالقدر المتاح لكيانهم، وبالقدر الذي تصلح به نفوسهم وحياتهم، وينالون به الخير في الحياة الدنيا وفي الآخرة ..
لذلك كانت أسماء الله الحسنى وصفاته من صلب العقيدة، لأنها وسيلة البشر لمعرفة إلههم وخالقهم ..
وللروح مسارها إلى الله .. تعرفه، وتؤمن بوجوده، وتتصل به، وتتلقى منه، بطريقة قد يعجز العلم عن إدراكها، ولكن عجز العلم لا ينفي أنها موجودة وفاعلة، فقد عجز العلم أن يدلنا كيف نفكر، وكيف نتذكر، ونحن في كل لحظة نفكر، وفي كل لحظة نتذكر، ولم يقل أحد إن عجز العلم عن إدراك الطريقة التي يتم بها التفكير والتذكر تنفي وجود أيهما، أو تنفي فاعليته، لأن"آثار"التفكير والتذكر بارزة في كل لحظة.
وأمر الروح كذلك .. فإن عجزنا عن إدراك طريقتها في التعرف على الله والاتصال به، لا ينفي وجودها وفاعليتها .. ولكن الفرق أن البشر كلهم -ما داموا في وضعهم الطبيعي- يفكرون ويتذكرون، وليس كل البشر تتفتح أرواحهم لتنطلق في مسارها الطبيعي، وهو الاتصال بالله .. لا لأن الله لم يخلق فيهم الحاسة .. فقد خلق الله كل عباده حنفاء، ولكن لأن المرض يصيب هذه الحاسة أكثر مما يصيب سائر الحواس .. وحين تمرض الروح تنطمس البصيرة وينقطع الإشعاع.
وما بنا هنا أن نتحدث عن عالم الروح وما فيه من عجائب .. وإنها لعجائب حقًا ..
(1) الملك: 14.