لست أدري لماذا كان حديثنا عن"نواقض الوضوء"أضعاف أضعاف حديثنا عن"نواقض لا إله إلا الله".. !
وأيًا كانت الأسباب التي أدت إلى ذلك، فيجب أن نسجل -للحق- أن من العلماء من أمثال ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله من تحدثوا كثيرًا في نواقض لا إله إلا الله، سواء من أعمال الجوارح أو أعمال القلوب، فلم يتركوا جانبًا من جوانبها إلا شملوه بالشرح والبيان ..
وإذا كان الفقهاء القدامى لم يواجهوا من المشكلة ما يواجهه الجيل المعاصر، لأن نقض لا إله إلا الله في الأجيال الأولى كان أمرًا نادر الحدوث، وكان يقابل بالعقوبة التي قررها الله لمن يرتد عن دينه، فقد اشتد الأمر في القرن الأخير خاصة، وصارت القضية في حاجة إلى تذكير وبيان ..
وقد أوضحت من قبل -في كتاب"واقعنا المعاصر"وكتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح"- أننا لا نهدف من الحديث عن نواقض لا إله إلا الله إلى إصدار أحكام على الناس .. فهذه ليست مهمتنا. إنما مهمتنا هي تعليم الناس ما جهلوه من مقتضيات لا إله إلا الله، لأنهم إن لم يتعلموا ذلك فكيف يغيرون ما بأنفسهم لكي يغيّر الله لهم ما هم فيه؟
(إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [1] .
ولن يغير الناس شيئًا مما بأنفسهم إن ظلوا يظنون -مع الفكر الإرجائي- أنهم عاملون بمقتضى لا إله إلا الله، ما داموا يؤمنون في دخيلة أنفسهم أن الله واحد، وينطقون بألسنتهم لا إله إلا الله!
والذين يكرهون الحديث في نواقض لا إله إلا الله ليسوا فريقًا واحدًا من الناس!
فالمتفلتون من مقتضياتها، المرتدون عن حقيقتها، يكرهون أن يكتشفوا لأنفسهم، أو يكتشف الناس عنهم أنهم قد ارتدوا عنها!
ما زلت أذكر مرة -وشر البلية ما يضحك! - أنني حين أخرجت كتاب"هل نحن مسلمون"في فترة سابقة [2] ، زارني شاب في مقتبل عمره وقال لي: سمعت أنك أخرجت كتابًا بعنوان"هل نحن مسلمون"، وأنا أرغب في قراءته، فهل يمكن أن تعيرني نسخة لأقرأها؟! فقلت له: عن طيب خاطر! وأعطيته نسخة من الكتاب. وإذا به بعد أيام قليلة يعيدها إليّ قائلًا: خذ يا"عم"كتابك! لا أريد أن أقرأه! فقد كنت أحسب نفسي مسلمًا قبل قراءته! فلما قرأت بعضه خشيت ألا أكون مسلمًا فخذ كتابك، ودعني على ظني بأنني مسلم!
وعلى الرغم من سذاجة هذا الشاب وغفلته، وبعد تصرفه هذا عن الصواب، وعن الجد الواجب لهذا الدين، فإنه ليس وحده الذي يصنع ذلك، بل مئات وألوف .. يفرون من مواجهة حقيقة أنفسهم، ويكرهون أن يذكّرهم أحد بها، ويدفنون رءوسهم في الرمال! رمال الفكر الإرجائي المخدر!
أما الخبثاء منهم، فهم يعرفون حقيقة موقفهم من لا إله إلا الله، ويعرفون أنهم من أعدائها، وممن يسعون إلى هدمها، ولكن يكرهون أن يكتشف الناس حقيقة ما يقومون به، ويكرهون بالذات أن يكشف الناس حقيقة عمالتهم لأعداء لا إله إلا الله من اليهود والنصارى، فيكرهون من ثم الأضواء الكاشفة التي تبين حقيقتهم، ويهبّون في وجه حامليها كالكلاب المسعورة، يتهمونهم"بالتطرف"، وبكل منفّر من الصفات .. لعلهم يدارون أنفسهم في الظلام!
(1) الرعد:11.
(2) ظهرت الطبعة الأولى للكتاب عام 1380هـ، 1959م ..