(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ، يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ) [1] .
وثمة فريق آخر من"علماء السوء"الذين يريدون أن يعيشوا، ويأكلوا، ويتمتعوا، ويخافوا أن يضيع هذا كله إن قالوا كلامًا يغضب من تغضبه حقائق لا إله إلا الله! وهؤلاء قال الله فيهم:
(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَاكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [2] .
وفريق ثالث من"الطيبين"الذين لا يحبون أن يغضب الناس منهم لو واجهوهم بحقيقة أمرهم، فيربتون على انحرافاتهم، ويحسبون أن ذلك أجدى في دعوتهم إلى الله، وأرجى أن يستجيبوا للدعوة، وأن ذلك هو مقتضى"الحكمة والموعظة الحسنة"التي أمر الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو بها حين قال له سبحانه وتعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [3] ، وينسون أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو أعلم البشر بمراد ربه، وأشدهم طاعة لأمره -قد قال لقريش من الكلام ما جعلها تقول: إن محمدًا قد عاب آلهتنا وسفّه أحلامنا!
ونحن على أي حال -كما أسلفنا مرارًا- لا نصدر أحكامًا على أحد بعينه، وليس من هدفنا ذلك، إنما هدفنا الذي نشعر أنه أمانة في أعناقنا، وأن الله سيحاسبنا عليه يوم القيامة إن لم نقم بأدائه، أن نبين للناس الحقائق؛ ليعرفوا أين هم من دين الله، وليصحح موقفه من شاء الله أن يهديه منهم إلى سواء السبيل ..
يحسب كثير من الناس -بتأثير الفكر الإرجائي- أن لا إله إلا الله إذا قيلت تظل لاصقة بصاحبها عمره كله، لا تسقط عنه مهما قال ومهما فعل، إلا أن يأتي عملًا واحدًا معينًا، هو أن يعلن بملء فيه أنه كفر بالله ورسوله، وكفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-!!
وبطبيعة الحال فلن يصنع ذلك إنسان في رأسه ذرة من عقل -مهما كان كفره وإلحاده- إلا إذا تحلل المجتمع بحيث يأمن الكافر أن يصرح بكفره على رءوس الأشهاد دون أن يناله أذى من الناس ..
فإذا لم ينطق بفمه كلمة الكفر فهو مؤمن! وكل ما يقوم به معاص مغفورة في الفكر الإرجائي، لأن أصحابه يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية!
(1) البقرة: 8 - 16.
(2) البقرة: 174.
(3) النحل: 125.