ولسنا هنا نناقش قضية إخراج العمل من مسمى الإيمان في الفكر الإرجائي، الذي يناقض مناقضة صريحة قول السلف: إن الإيمان قول وعمل. إنما نناقش قضية أسوأ من ذلك، هي الظن بأن لا إله إلا الله لا تنتقض إلا بالنطق الصريح بكلمة الكفر.
يقول الإمام حسن البنا رحمه الله في البند الأخير من رسالة التعاليم"لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين، وعمل بمقتضاهما، وأدى الفرائض، برأي أو معصية، إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذّب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا إلا الكفر".
وهو في تلك المقالة ملتزم -رحمه الله- بقول السلف في الإيمان، وما يستتبعه من لزوم العمل بمقتضيات لا إله إلا الله، ومذكّر بأن هناك نواقض للا إله إلا الله يمكن أن تنقضها من أصولها، ولو نطق بها الإنسان بفمه، وادعى أنه من أشد الناس إيمانًا بها!!
إن الإيمان لم يكن قط دعوى، ولا حتى في الحياة الدنيا كما يتوهم بعض الناس، أو كثير من الناس!
وحديث"هلاّ شققت عن قلبه"الذي يحتج به المرجئة لا يعطي الدلالة التي أرادوا أن يستمدوها منه، إنما هو -كما قلت في كتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح"- يرفع السيف عمن قالها صادقًا أو كاذبًا، فلا يجوز أن يقتل إنسان قال بفمه لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولو قالها متعوذًا دون أن يؤمن بها في دخيلة نفسه .. بل لا يجوز أن يقتل بعد أن يقولها ولو كنا متأكدين في دخيلة أنفسنا أنه لا يؤمن بها في الحقيقة!
نعم! ولكنها لا تعطيه صفة الإسلام إلى الأبد دون عمل بمقتضياتها! وهنا موضع الخلاف مع الذين يظنون أنها تلصق به عمره كله!
لو قالها، ورفع السيف عنه، وأعطى صفة الإسلام، ثم حان وقت أول صلاة مفروضة (أي بعد ساعات على الأكثر من نطقه بها) فدعي إلى الصلاة فأبى .. فما حكمه؟! وإذا طبق عليه حد الردة -وهو حكم الله فيه [1] - فقال عند تنفيذ الحد: لقد قلت لا إله إلا الله محمد رسول الله! فهل تنفعه؟ هل ترفع عنه السيف في المرة الثانية إلا أن يلتزم بمقتضى لا إله إلا الله، فيؤدي الصلاة ولو نفاقًا أمام الناس؟!
إن هذا هو الذي يفسر قتال أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- للمرتدين الذين كانوا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويصلون، ويصومون، ويحجون، ولكنهم نكلوا عن مقتضى واحد من مقتضيات لا إله إلا الله، وهو الزكاة ..
وحين سأله عمر -رضي الله عنه-: كيف تقاتل قومًا يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: من قالها فقد عصم مني ماله ودمه إلا بحقها؟ ذكّره الصديق -رضي الله عنه- بأن الزكاة حق المال. وقال: والله لأقتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة. فقال عمر رضي الله عنه: والله ما إن رأيت أبا بكر قد شرح الله صدره للقتال حتى عرفت أنه الحق.
لقد نقض أولئك لا إله إلا الله، بواحد من نواقضها، وهو إنكار معلوم من الدين بالضرورة، فلم تعد تنفعهم، ولا تحميهم، ولا تعطيهم صفة الإسلام، وهم لم يكفوا عن النطق بها خمس مرات في اليوم والليلة على أقل تقدير!
ونعود إلى الحديث عن نواقض لا إله إلا الله ..
(1) هناك خلاف فقهي قديم بالنسبة لتارك الصلاة، هل يقتل حدًا أم يقتل كفرًا، ولكن -كما يقول ابن تيمية رحمه الله- لا يوجد إنسان في قلبه ذرة إيمان يتعرض للقتل بسبب تركه للصلاة (بعد حبسه ثلاثة أيام ومحاولة استتابته) ثم يبقى مصرًا على عدم الصلاة، إلا إذا كان كافرًا كفرًا لا شك فيه! واعتقد أن هذا -في الواقع العملي- يحسم الخلاف النظري حول تارك الصلاة المتعمد المصرّ!