كانت دعوة الرسل جميعًا إلى أقوامهم دعوة واحدة، هي دعوة التوحيد: لا إله إلا الله .. اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ..
وفي أكثر من سورة من سور القرآن (وبخاصة سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء) يأتي تسلسل مقصود لتاريخ الرسل الذين أرسلوا إلى أقوامهم، كل رسول يقول الكلمة ذاتها، ويمضي، فيجيء الرسول الذي يأتي بعده فيقول ذات الكلمة، حتى لكأنهم رسول واحد على اختلاف الزمن واختلاف لغات الأقوام:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ، أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ) [1] .
(وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ .. ) [2] .
(وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ .. ) [3] .
(وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ .. ) [4] .
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ .. ) [5] .
وتشير الآية الكريمة من سورة الحاقة إلى أن الأقوام كلهم عصوا"رسول ربهم"والمقصود بطبيعة الحال أن كل أمة عصت رسولها الذي أرسل إليها، ولكن توحيد لفظ الرسول له دلالة واضحة: أن الرسل جميعًا كأنهم رسول واحد؛ لأنهم كلهم جاءوا بدعوة واحدة، لا اختلاف فيها:
(وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً) [6] .
ويلفت النظر في هذه الآيات -ومثلها في القرآن كثير- أن الرسل الكرام لم يرسلوا إلى أقوامهم ليقولوا لهم إن هناك إلهًا .. فالفطرة تعرف ذلك دون رسول! ولا ليقولوا لهم: اعبدوا الإله الذي تعرفون وجوده، فالفطرة تتوجه إلى عبادة الإله الذي تعرفه، تلقائيًا بغير رسول، وإن غشيتها الغواشي واجتاحها الضلال!
(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) [7] .
إنما كانت مشكلة الجاهليات كلها أنها تشرك مع الله آلهة أخرى، وتجسد الإله في صورة محسوسة تلمس وترى، فيجيء الرسل فيدعون قومهم إلى عبادة الله الواحد، الذي يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار.
وحتى الدهريون الذين قالوا: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) [8] -يقصدون بالدهر مرور الزمن، كما قال المتنبي في شعره:"إذا قلت شعرًا أصبح الدهر منشدًا"يقصد أن شعره باق على الزمن ترويه الأجيال المتعاقبة- حتى هؤلاء لا نستطيع أن نجزم من لفظ الآية أنهم أنكروا وجود الله .. فقد نسبوا الإهلاك للدهر -بمعنى مرور الزمن كما أسلفنا -فآمنوا- كالجاهلية المعاصرة- بالأسباب الظاهرة، وجعلوها هي الفاعلة بذاتها، ولكن هذا لا يلزم منه حتمًا أنهم ينكرون وجود الله. فكثير من مشركي الجاهلية المعاصرة اليوم لا ينفون وجوده الله، ولكنهم ينسبون الفاعلية في الكون"لقوانين الطبيعة"! ويتحدثون عنها كأنما هي ذات قوة حتمية!
(1) هود: 25 - 26.
(2) هود: 50.
(3) هود: 61.
(4) هود: 84.
(5) الأنبياء: 25.
(6) الحاقة: 9 - 10.
(7) الأعراف: 172.
(8) الجاثية: 23.