أما الذي نجزم به من كلام أولئك الدهريين فهو أنهم ينكرون البعث إنكارًا جازمًا ويقولون"ما هي إلا حياتنا الدنيا"، وهم في هذا لا يختلفون عن سائر مشركي العرب الذين كانوا ينكرون البعث مع أنهم مؤمنون بوجود الله. فقد أثبت القرآن عليهم إقرارهم بوجود الله سبحانه وتعالى، وأنه هو الخالق، وهو رب العرش الكريم، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء:
(قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [1] .
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [2] .
(وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) [3] .
ومع إقرارهم بهذا كله فقد كانوا لا يؤمنون بالبعث، بل لا يكادون يتصورون وقوعه! وكانوا يعجبون من الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه يحدثهم عنه، ويقول بعضهم لبعض.
(هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ) [4] .
وإذا افترضنا جدلًا أن الدهريين كانوا ينكرون وجود الله، مستدلين بكونهم ينسبون الإهلاك للدهر لا لله سبحانه وتعالى، وهي دلالة غير جازمة إذا نظرنا إلى أحوال كثير من الناس في الجاهلية المعاصرة، فمن الواضح من تتبع آيات القرآن ومن استقراء التاريخ أنهم لم يكونوا هم الصورة الغالبة للجاهليات، إنما كثر هذا النوع المنكر لوجود الله في الجاهلية المعاصرة لظروف غير طبيعية أشرنا إليها في غير هذا الكتاب [5] . وقد رأينا -على سبيل المثال- أنه بمجرد انهيار الشيوعية عاد الناس في أوربا إلى دينهم- وإن كانوا فيه على ضلالة- مما يدل على أن الإلحاد الذي نشرته الشيوعية لم يكن أصيلًا في النفوس، إنما كان عارضًا فرضته الدولة على الناس بالحديد والنار والتجسس!
الضلال الأكبر الذي تقع فيه الجاهليات كما أسلفنا هو الشرك، وتجسيم الإله في صور محسوسة، بالإضافة إلى إنكار البعث [6] . ويرسل الله الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ليرتفعوا بالبشرية إلى مستوى التوحيد، وتنزيه الله -عز وجل- عن الشبيه ..
ولقد خلق الله الناس على الفطرة موحدين:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [7] .
"ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" [8] .
(1) المؤمنون: 84 - 89.
(2) العنكبوت: 61.
(3) العنكبوت: 63.
(4) سبأ: 7 - 8.
(5) اقرأ إن شئت فصل"الإلحاد"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".
(6) ليس كل الجاهليات كانت تنكر البعث. فقد كانت الجاهلية الفرعونية تعرفه وتعرف تفاصيل كثيرة عنه، مما يرجح أنه أرسل إليها رسول فنسيت تعاليمه ولكنها ظلت تذكر البعث، وإن اختلط علمهم به بجهل الجاهلية، فكانوا يحنطون الجثث لتظل سليمة إلى يوم البعث، لتجدها الروح وتحل فيها مرة أخرى!
(7) الروم: 30.
(8) متفق عليه.