الصفحة 10 من 105

فالفطرة تعرف التوحيد ولكن البيئة المنحرفة هي التي تفسد الفطرة .. وتلك قصة الإنسان على الأرض ..

الفطرة في أحسن تقويم .. والبيئة المنحرفة تردها أسفل سافلين .. إلا أن تكون من المؤمنين:

(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) [1] .

إن الإنسان الذي أسجد الله له الملائكة وفضله على كثير ممن خلق، قد ميزه الله بمزايا كثيرة منها القدرة على الإيمان بالغيب، والإيمان بما لا تدركه الحواس، فصار يؤمن بالله على الغيب، ويؤمن به سبحانه على غير شبيه مما تدركه الحواس:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [2] .

(لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [3] .

ولكن الإنسان لا يحافظ على مزاياه تلك إلا أن يظل على فطرته السوية، لا تفسده البيئة المنحرفة. فإذا أفسدته البيئة ظل يهبط من القمة العالية التي خلقه الله عليها، حتى يغشّى روحه الضباب والغبش، فتفقد صفاءها الذي خلقها الله عليه، وتعجز عن الإيمان بالغيب، والإيمان بما لا تدركه الحواس، فتطلب إلهًا محسوسًا وتراه وتلمسه، وتتعبد إليه!

أو تهبط هبوطًا من نوع آخر ..

إنها -بسبب هذا الغبش الذي يغشّى على صفائها- تستهول المدى الذي"يفصلها"عن ربها فتشعر بالوحشة! فتروح تطلب أنيسًا قريبًا تأنس إليه، تراه وتلمسه؛ ليكون وكيلًا عن الله، أو شفيعًا يقربها من الله، أو واسطة بين العبد ومولاه! وهي حالة مرضية تصيب الأرواح فتعميها عما كانت تدركه في صحتها، فتقع في الشرك الذي هو السمة العامة للجاهلية.

أو يأتيها الشرك من طريق آخر ..

طغاة يتجبرون في الأرض، يستضعفون أولئك الذين غشى الغبش أرواحهم، فيستعبدونهم، فيحلون لهم ويحرمون بغير ما أنزل الله، فيطيعونهم، فيتخذونهم أرباباَ من دون الله ..

ويبعث الله الرسل ليجلوا عن أرواح البشر غبشها، ويردوها إلى صفائها الفطري، فتؤمن بالله على الغيب، وتؤمن بما لا تدركه الحواس، وتعبد الله وحده بلا شريك، فلا تعتقد في إله غيره، ولا توجه عبادتها لإله غيره، ولا تحل ولا تحرم شيئًا من دونه.

ويحتاج البشر في كل مرة إلى معجزة تهزهم .. تهزهم هزة عنيفة تسقط الران الذي غشّى على أرواحهم، فيعود إليها صفاؤها، فتتصل بالله بلا وسيط، وتأنس إليه على بعد"المدى"بين الخالق والمخلوق، فإنه سبحانه قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [4] .

وما كان خاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم- بدعا من الرسل:

(قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [5] .

غير أنه أرسل إلى البشر كافة وكان الرسل قبله يرسلون إلى أقوامهم خاصة، وجاء بالرسالة التي اكتمل بها الدين فلا رسالة بعدها، وكانت معجزته فريدة في بابها: قرآنا يتلى إلى يوم القيامة.

جاء الرسل كلهم بلا إله إلا الله ..

ولكن الكتب السماوية السابقة حرفت، ولم يبق إلا القرآن على حاله كما كان يوم أنزل، وكما هو في اللوح المحفوظ، لأن الله هو الذي تكفل بحفظه، ولم يكل حفظه للبشر كالكتب السابقة:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [6] .

(1) التين: 4 - 6.

(2) الشورى: 11.

(3) الأنعام: 103.

(4) البقرة: 186.

(5) الأحقاف: 9.

(6) الحجر: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت