الصفحة 11 من 105

وما ندري كيف كانت"لا إله إلا الله"معروضة في الكتب السابقة قبل تحريفها. ولكنا نراها في القرآن ملء الساحة كلها، مشرقة وضيئة، تدخل إلى النفس من جميع أقطارها، وتخاطب الوجدان والعقل معًا، حتى يمتلئ القلب البشري بلا إله إلا الله.

إن الله لم ينزل"لا إله إلا الله"؛ لتكون مجرد كلمة تنطق باللسان. إنما أنزلها؛ لتشكل واقع الكائن البشرية كله، لترفعه إلى المكان اللائق به .. الذي فضله الله به على كثير ممن خلق .. ترفعه من كل ثقلة تقعد به عن الصعود إلى تلك المكانة العالية ومحاولة الاستقامة عليها، سواء كانت ثقلة الشهوات اللاصقة بالطين، أو ثقلة"الران"الذي يرين على الأرواح، أو ثقلة"الضرورات"التي تقهر الإنسان وتذله لطغاة الأرض المتجبرين .. ترفعه فردًا وجماعة وأمة، ليتكون في الأرض المجتمع الصالح الذي يريده الله، وتقوم في الأرض أمة لا إله إلا الله.

ولا يتم هذا كله بكلمة تنطق باللسان .. إنما يتم بحقيقة حية تملأ الكيان البشري كله وتسري في أعماقه، وتنبض نبضًا حيًا يحرك كل ذرة فيه، فتنطلق شحنته كاملة، تجتث الفساد من الأرض وتستنبت الخير ..

تعنى"لا إله إلا الله"عبادة الله وحده دون شريك، والالتزام بما جاء من عند الله.

فالألوهية في جانب الله تقتضي العبودية في كل من سواه. وإذا انتفت الألوهية عن كل شيء وكل أحد وكل كائن في هذا الوجود كله، وثبتت لله وحده، فمعنى ذلك أن الإله الذي يعبد بحق هو الله، ولا يعبد سواه، لأن كل من سواه ليس إلهًا، فلا تجوز له العبادة التي يجب أن تتمحض لله وحده بلا شريك ..

وتلك القضية على بساطتها، هي قضية القضايا في حياة الإنسان .. هي المحور الذي ترتكز إليه حياته كلها، وتقوم عليه .. ولم يكن بسطها في القرآن الكريم -كما أشرت في غير هذا الكتاب [1] - بسبب أن المخاطبين الأوائل بهذا القرآن كانوا مشركين، فقد خوطب بها المؤمنون في المدينة كذلك:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا) [2] .

(وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ... ) [3] .

(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [4] .

(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَاسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَاسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [5] .

إنما السبب أن الإنسان عابد بفطرته .. وهو إما أن يعبد الله وحده بلا شريك، وإما أن يعبد آلهة أخرى غير الله، معه، أو من دونه سواء!.

إنه لا يوجد من لا يَعْبُد ... وحين يدعي ذلك إنسان، ويتوهم أنه"طليق"من كل عبادة، فهو الذي قال الله عنه:

(أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) [6] .

(1) في كتاب"دراسات قرآنية"وكتاب"واقعنا المعاصر"وكتاب"مفاهيم ينبغي أن تصحح".

(2) النساء: 136.

(3) النساء: 36.

(4) سورة النساء: 125.

(5) البقرة: 177.

(6) الجاثية: 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت