الصفحة 34 من 105

كيف يحس الإنسان في لحظة معينة -لحظة توهج معينة- أنه قد اتصل بخالقه، فدعا ربه، فاستجاب ربه له، فأحس بالاستجابة وأيقن .. وإذا هي حقيقة .. وإذا الله قد استجاب بالفعل!

كيف يتصل الإنسان بعالم الغيب في رؤيا صادقة تتحقق بذاتها أو برموزها بعد حين من الوقت قد يكون أيامًا وقد يكون ساعات!

كيف يتم التخاطر عن بعد (التليباثي) من وراء الحدود التي تدركها الحواس؟!

وبعض الناس تبهرهم هذه العجائب فيتركون عالم الشهادة كله، ليغرقوا أنفسهم في سبحات الروح! بدعوى التقرب إلى الله، والسعي إلى رضاه ..

وما هكذا أمر الله البشر أن يعبدوه!

إنما حدد الله لهم طرقًا معينة يعبدونه بها، للروح فيها مكانها، في خشوع القلب، والإخبات إلى الله .. وللوعي فيها مكانه، في التفكر والتدبر في خلق الله وآياته .. وللجسم فيها مكانه، في القيام والقعود، والركوع والسجود، والتحرك بالطاعة في شتى الاتجاهات ..

وتصبح العبادة بذلك أمراَ شاملًا لكل ما يحبه الله ويرضاه .. وأمرًا شاملًا لكل حياة الإنسان:

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [1] .

لا نتحدث هنا في هذه العجالة عن أنواع العبادة، فذلك شأن الدراسة المتخصصة.

ولكنا نتحدث عن أمور حولها، تتعلق بها، وتدخل في"المقتضى"التعبدي للا إله إلا الله.

لقد ركز المنهج القرآني كثيرًا على قضية العبادة، لشدة ما كان قائمًا في الجاهلية من انحراف في تلك القضية ولاتصالها المباشر بقضية العقيدة .. فحين تنحرف العقيدة تنحرف العبادة بالضرورة، وحين تستقيم العقيدة فالمفروض أن تستقيم العبادة على وضعها الصحيح.

تنحرف الجاهلية في أمر العقيدة وأمر العبادة لأسباب شتى ..

فالتعظيم الزائد عن الحد آفة من آفات القلب البشري حين يتوجه بالحب إلى شخص معين، أو شيء معين، فينقلب التعظيم إلى تقديس، وينقلب الحب إلى عبادة!

وليس الحب والتعظيم في ذاته انحرافًا، فهو من"إفرازات"النفس السوية، خلقه الله ليؤدي مهمة معينة في حياة الإنسان. فلولا الحب والتعظيمُ الذي يتوجه به الناس إلى أنبيائهم، ما تلقوا منهم، ولا استقامت حياتهم على مقتضى التعليمات الربانية المنزلة عليهم. ولولا الحب والتعظيم الذي أوجبه الله ورسوله للعلماء، ما كان لهم في أممهم تأثير. ولولا الحب والتعظيم الذي يحسه الأبناء لآبائهم ما تربوا على أيديهم، ولا تلقوا منهم مقومات حياتهم ..

ولكن الغلو في الحب والتعظيم هو الانحراف الذي يؤدي إلى التقديس، فيؤدي إلى العبادة ..

وفي شرح ابن عباس -رضي الله عنه- لانحراف الجاهلية في أمر العبادة قال عن ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر:"أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد [2] ، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت" [3] .

وما زالت البشرية تدور في رحى ذلك الانحراف، فيؤدي بها إلى لون من ألوان الشرك بالله.

أشرنا في التمهيد إلى انغلاق البشر في دائرة المحسوس، وأثر ذلك في العقيدة، فنشير هنا إلى أثره في العبادة كذلك.

(1) الأنعام: 162 - 163.

(2) أي في تلك المرحلة.

(3) أخرجه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت