الصفحة 35 من 105

إن الصنم الذي يعبد تجسيدًا للإله في صورة محسوسة، لا يسمع ولا يرى ولا يتحرك، وإن ظن عبّاده أن روحًا خفية تسكن فيه، فتمنحه الحياة والقوة والبطش والهيمنة والجبروت! وهم يتعبدونه ويقدمون له القرابين، لترضى عنهم تلك الروح التي تسكنه، وتقضى لهم حوائجهم، وتكف غضبها عنهم! ولكن الصنم لا يتكلم! ولا تتكلم كذلك الروح الموهومة التي تسكنه، ومن ثم يحتاج الأمر إلى"كهنة"يقومون بالترجمة بين العبّاد وإلههم، وبين الإله والعبّاد! فيصدر الكهنة التعاليم باسم الإله، ويتلقون النذور والقرابين بحجة توصيلها إلى الإله، ثم يقولون للناس -إن شاءوا- إن الإله قد رضي، أو يقولون لهم: إنه يطلب المزيد؛ لأنه ما يزال غضبان!

ويستمتع الكهنة بسلطان عظيم على الناس في الجاهلية، لأنهم هم"الوسطاء"الذين تتم من خلالهم عملية العبادة، وتتم عن طريقهم عملية"التسليم والتسلم"بين العبّاد وبين الإله!

وكثيرًا ما كان أولئك الكهنة يمارسون إلى جانب الكهانة ألوانًا من السحر، ككهنة فرعون الذين قابلوا موسى -عليه السلام- بحبالهم وعصيهم، فخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. ويقومون -من خلال كهانتهم وسحرهم- بتعبيد البشر لغير ربهم الذي خلقهم، سواء لبشر -مقدس- يحكمهم، أو صنم -مقدس- يتأله عليهم .. كلاهما طاغوت ..

ويعلم الله كم يسخر أولئك الكهنة في دخيلة أنفسهم من أولئك العبّاد الذين يهرعون لتنفيذ أوامرهم وتعليماتهم كأنها حقيقة! ولكنهم يجيدون التمثيل! فيتظاهرون بالجد الصارم في أداء طقوس العبادة؛ ليستديموا سلطانهم على الناس، ولينتفشوا هم ويتضخموا على حساب غفلة الناس!

وفي الجاهلية يأنس الناس للوسطاء، لأنهم -في هبوطهم وانغلاقهم- يحسون بالوحشة من الإله المنزه الذي لا تدركه الأبصار، فيأنسون للكائنات الوسيطة، التي يتصورونها ذات طبيعة مزدوجة: ناسوت ولاهوت .. جانب بشري وجانب إلهي .. يلتقون مع البشر بجانبهم البشري، ويلتقون بجانبهم الإلهي مع الإله! ويكونون"محطة"في الطريق، يتزود الناس فيها بالطاقة اللازمة لرحلة"الفضاء"، إلى الأزلي اللانهائي الذي لا تدركه الحواس ولا تحده الحدود!!

من أجل هذه الانحرافات كلها، التي تشمل العقيدة والشعيرة والشريعة [1] .. ركز المنهج القرآني على تحديد هذه القضية تحديدًا حاسمًا، وتنزيه العبادة من كل لون من ألوان الشرك يمكن أن يهجس في بال الإنسان ..

وقد رأينا -من تجربة الواقع- أن هذه الهواجس قد ألمت بالأمة الإسلامية ذاتها، بعد فترة من تنزيه العبادة، والارتفاع بها إلى المستوى اللائق بجلال الله، واللائق بالإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ..

فقد جاءت الصوفية ببدع كثيرة تفسد صفاء العقيدة وصفاء العبادة ..

ولا نتحدث هنا عن الخبل الواضح في فكرة الاتحاد، والحلول، ووحدة الوجود، مما يتنافى تنافيًا كاملًا مع التوحيد الذي جاء به الرسل جميعًا، وعلى رأسهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا التفكير -في حقيقته- نتاج وثني صريح، سواء جاء من الهند أو من فارس أو من أي مكان في الأرض ..

إنما نتحدث عن بدع أخرى نشأت مع الصوفية، هي عبادة الأضرحة والأولياء، وتضخم الشيخ في حس المريد حتى يصبح وسيطًا بينه وبين الله .. وتوجيه ألوان من العبادة إلى أولئك"المشايخ"أحياء وأمواتًا لا يجوز توجيهها لغير الله.

إنها ردة جاهلية ..

(1) سنتكلم في الفقرة القادمة (ثالثًا) عن المقتضى التشريعي للا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت