الصفحة 36 من 105

صحيح أن الناس اليوم لا يعبدون صنمًا منحوتًا كما كان يفعل المشركون يومذاك .. ولكن كيف نسمي التمسح بالضريح التماساَ للبركة، والدعاء عنده رجاء الاستجابة، وطلب المعونة من صاحب الضريح، والاستغاثة به من الكرب، والإيمان بأنه ذو حظوة عند الله، يستطيع بها أن يغير مجرى الأقدار؟! أو الإيمان بأن الله قد عهد إلى الأقطاب والأبدال أن يتصرفوا في ملك الله، فإذا استعطفهم مريدوهم وتضرعوا إليهم صرّفوا الأمور لصالحهم، وحموهم من الأخطار ..

ألم يكن مشركو الجزيرة يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) [1] ؟! أي: لا نعبدهم لذواتهم ولكن لما لهم من حظوة عند الله؟!

أما الشيخ والمريد فبدعة أخرى من بدع الصوفية الخطيرة ..

ولا يعنينا هنا أن نذكر كيف بدأت البدعة، ولا أن العامة قد ارتموا في أحضان الصوفية لقلة العلماء المربين الذين يعلمون الناس دينهم على النهج القرآني الواضح السهل البليغ المؤثر، وعلى منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي يقرب الحقائق للناس حتى يتشربوها في يسر، وترسخ في نفوسهم فلا يمحى أثرها .. إنما وجد العامة بدلًا من ذلك من يتكلم عن العقيدة كأنها معاظلات ذهنية تجريدية فلسفية -وخاصة فيما يتعلق بالذات الإلهية والأسماء والصفات- تجهد الذهن ولا تحرك القلب، ووجدوا المتخصصين في الفقه يتحدثون فيه لا على أنه"دين"نزل لينظم حياة البشر على الأرض، ويربط قلوبهم بالله وهم يأتمرون بأمره وينفذون تعاليمه، ولكن كأنه قضايا جافة مبتوتة الصلة بالوجدان الحي .. لذلك هرب العامة من معاظلات علم الكلام في العقيدة، ومن جفاف الدراسات الفقهية، إلى الملجأ الذي رأوه يشبع وجدانهم الروحي الظامئ، ووجدوا فيه راحتهم النفسية التي افتقدوها هنا وهناك ..

ذلك يفسر ولا يبرر .. فلا شيء يبرر الانحراف عن طريق الله القويم:

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [2] .

جاء الإسلام؛ ليلغي كل وساطة بين البشر وربهم، وليعقد الصلة مباشرة بين العبد والرب:

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) [3] .

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [4] .

وجاءت الصوفية؛ لتجعل بين العبد وربه وسطاء وشفعاء، سواء كانوا من الأموات أو الأحياء.

وجاء الإسلام؛ ليخرج من هذه الأمة"علماء"و"فقهاء"يعلمون الناس أمر دينهم:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) [5] .

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [6] .

وجعل أولئك العلماء والفقهاء أئمة ومعلمين ومربين، وقدوة للناس، ولم يجعلهم"كهنة"يختصون"بالطقوس".. ذلك أنه لم يكن عقيدة وشعائر فحسب .. إنما كان عقيدة وشريعة ومنهجًا كاملًا للحياة، لذلك يحتاج الناس في ظله إلى علماء وفقهاء يعلمونهم أصول دينهم ومحتوياته ومتطلباته .. أما حين يكون الدين عقيدة فحسب، وطقوسًا تتعلق بالعقيدة، فهنا يظهر"الكهنة"؛ ليكونوا وسطاء بين الناس وربهم، ويظل الوسيط يتضخم في حسهم حتى يخرج عن طبيعته البشرية الخالصة، ويصبح في حسهم مزدوج الطبيعة فيه ناسوت ولاهوت!

(1) الزمر: 3.

(2) الأنعام: 153.

(3) غافر: 60.

(4) البقرة: 186.

(5) فاطر: 28.

(6) التوبة: 122.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت