جاء الإسلام؛ ليجعل الدين خالصًا لله، وجاءت الصوفية؛ لتحوّل الشيخ في حس المريد إلى وسيط بين الناس وربهم، بحجة أنه مبارك عند الله، ترجى بركته؛ ليقرب الناس إلى الله زلفى، وليجعل الله يحيطهم برحمته، فكأنما له شركة في الأمر مع الله، مع أن الله قال لرسوله الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ) [1] !
وجاء الإسلام؛ ليقرر بشرية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بشرية خالصة، لا يخالطها شيء من"اللاهوت"، فغلت الصوفية في حبه وتعظيمه، حتى جعلت كأنما خلق الله الخلق؛ ليشاهدوا الأنوار المحمدية، وليس أن الله بعث رسوله -صلى الله عليه وسلم- لهداية البشرية:
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [2] .
ثم جعلوا من هذا التعظيم ذاته وسيلة لتضخيم الشيخ في حس المريد، بدعوى أن الشيخ يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منامه، ويتلقى منه مباشرة كلامًا يقوله للناس!! [3] .
منهج العبادة في هذا الدين واسع شامل، لا يقتصر على الشعائر التعبدية التي تواضع الناس على أن يسموها"العبادة".. إنما هذه الشعائر -على كل أهميتها التي جعلتها تمثل"الأركان"في هذا الدين- هي جزء فقط من العبادة المفروضة:
(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ .. ) [4] .
فالصلاة والنسك تمثل الشعائر .. ولكن المطلوب أكبر من هذا .. المطلوب أن تكون الحياة كلها حتى الموت، بل الموت ذاته، عبادة موجهة إلى الله الذي لا شريك له. أي أن يشمل المنهج التعبدي كل لحظة وكل عمل وكل فكر وكل شعور ..
(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [5] .
فإذا كان هدف خلق الجن والإنس محصورًا -بالنفي والاستثناء- في عبادة الله، فهل تكفي الشعائر المفروضة أن تملأ مساحة الحياة كلها حتى الموت؟!
إنما يتحقق ذلك حين تكون العبادة شيئًا شاملًا لكل جوانب الحياة ..
وهي كذلك بالفعل في الإسلام ..
الشعائر تستغرق وقتها المكتوب لها، إن كانت صلاة أو زكاة أو صيامًا أو حجًا، وقد يزيد الإنسان مساحتها بالنوافل، ولكنها لا تبلغ أن تملأ مساحة الحياة كلها، ولا يستطيع الإنسان كذلك أن يملأ بها مساحة الحياة، فإنما ذلك شأن الملائكة الذين خلقهم الله من نور، فهم (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) [6] (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [7] . أما الإنسان الذي خلقه الله من قبضة من طين الأرض ثم نفخ فيه من روحه، فإن له جسدًا يفتر وعقلًا يشرد، فلا يطيق أن يسبح الليل والنهار دون فتور ..
ولم يكلفه الله ذلك، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو الذي خلقه على الهيئة التي خلقه بها، ويعلم سبحانه حدود طاقاته، فلا يكلفه ما لا طاقة له به ..
ومع ذلك كلفه أن تكون حياته كلها لله، وقال سبحانه إنه لم يخلقه إلا للعبادة فحسب ..
فهل يتحقق ذلك إذا كانت العبادة المطلوبة هي الشعائر التعبدية فحسب؟
كلا! إنما يتحقق حين يتسع معنى العبادة فيدخل فيه كل نشاط الإنسان في الأرض .. وذلك حين يرتبط العمل كله بلا إله إلا الله، وتصبح لا إله إلا الله -بكل مقتضياتها- هي منهج الحياة ..
(1) آل عمران: 128.
(2) الأنبياء: 107.
(3) ينبغي أن نذكر -للحق- أنه ليس كل من ينتمي للصوفية تقع منه هذه الانحرافات، وأن هناك ممن ينتسبون للصوفية من كان سليم العقيدة وعاملًا في الأرض بمقتضى الشريعة ومجاهدًا في سبيل الله، وهؤلاء في الحقيقة من"الزهاد"وإن أخذوا سمة الصوفية.
(4) الأنعام: 162 - 163.
(5) الذاريات: 56.
(6) الأنبياء: 20.
(7) التحريم: 6.