السياسة عبادة .. حين تكون تطبيقًا لشريعة الله، وتطبيقًا للعدل الرباني في واقع الأرض، وتنمية للخير في نفوس الناس، وكبتًا للشر، وتعبيدًا للناس لربهم وحده، وتحريرًا لهم من الطواغيت ..
النشاط الاقتصادي عبادة .. حين يكون جمعًا للمال من الكسب الحلال، وإنفاقًا في الطيب من الأمور .. سواء كان نشاطًا فرديًا أو حماعيًا، أو كان نشاط الدولة ..
التعبير الفني عبادة .. حين يكون دعوة -بالأساليب الفنية المشروعة- إلى الخير، ومحاربة للشر، وحثًا للناس أن يجاهدوا لتعمير الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وإعلاء لكلمة الله ..
بل"حتى اللقمة يضعها في في زوجته"عبادة كما قال -صلى الله عليه وسلم- [1] ، ليعلّم الناس أن العبادة تشمل كل كبيرة وصغيرة في حياة الإنسان.
والعبادات كلها أمر مقصود للدنيا والآخرة معًا في المنهج الرباني .. سواء كانت شعائر تعبدية أو نشاطًا حيويًا يقوم به الإنسان ..
ليست هناك عبادة للآخرة وحدها كما يسبق أحيانًا إلى ظن بعض الناس. فقد نزل هذا الدين لإصلاح أمر الناس في الحياة الدنيا، سواء عقيدته وشريعته .. سواء عباداته ومعاملاته .. وكل شيء فيه:
(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ .. ) [2] .
ولذلك ترتبط الدنيا بالآخرة في هذا الدين في كل جزئية من جزئياته، ويعيش الناس في ظله بجوارح عاملة في الحياة الدنيا وقلوب متعلقة بالآخرة ..
(إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) [3] .
تنهى عن الفحشاء في الدنيا .. والأجر في الآخرة. فيصلي المؤمن ابتغاء وجه الله، ولينال أجره في الآخرة، وفي الوقت ذاته ينتهي عن الفحشاء والمنكر، فتصلح الحياة الدنيا ..
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [4] .
تتقون في الدنيا، فتصلح حياتكم في الأرض .. والأجر في الآخرة.
(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا) [5] .
(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [6] .
(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ) [7] .
فالتطهير والتزكية ومواساة الغني للفقير من مال الله الذي آتاه، وقيام ولي الأمر بأخذ الزكاة وإنفاقها في أبوابها التي حددها الله .. كل هذا يتم في الدنيا .. والأجر في الآخرة.
(وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [8] .
يتم هذا كله في الدنيا، والأجر في الآخرة، فتكون العبادة للدنيا والآخرة في آن.
ومن الجانب الآخر ليس هناك عمل في حياة المسلم الملتزم بلا إله إلا الله -بكل مقتضياتها- يكون للدنيا وحدها منقطعًا عن الآخرة .. حتى علاقة الجنس التي قد ينظر بعض الناس إليها على أنها جسدية بحتة، أرضية بحتة، يقول فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
(1) أخرجه البخاري وأحمد.
(2) الحديد: 25.
(3) العنكبوت: 45.
(4) البقرة: 183.
(5) التوبة: 102.
(6) المعارج: 24 - 25.
(7) التوبة: 60.
(8) الحج: 27 - 28.