الصفحة 28 من 105

(لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [1] .

وفي عالم الحيوان يكون الهم الأكبر -إلى جانب قضاء الشهوات- هو صراع البقاء. فتلتقي أنواع الحيوان المختلفة لتتصارع وتكون الغلبة للأقوى، فيأكل القوي الضعيف، أو يزيحه من الطريق.

أما في عالم"الإنسان"فقد جعل الله للحياة هدفًا آخر، ومعيارًا آخر:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [2] .

والصراع الذي كتبه الله في عالم الإنسان ليس صراع الغلبة من أجل الغلبة، ولكن من أجل إصلاح الأرض:

(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) [3] .

فإلى أي درك يهبط الإنسان حين يفقد معنى وجوده، ويتعامل بعضه مع بعض على مستوى الحيوان؟ وهو فال ذلك لا محالة إذا هبط عن الإيمان بما لا تدركه الحواس، ففقد الإيمان بالله واليوم الآخر ..

إن الإيمان بالله وحده بلا شريك هو حق الله على العباد كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

"قال: أتدرون ما حق الله على العباد؟ حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا .." [4] .

ولكن الله لا يزيد في ملكه شيئًا أن يكون الناس كلهم على قلب أعبد رجل منهم، ولا ينقص في ملكه شيئًا أن يكونوا كلهم على قلب أفجر رجل منهم.

يقول تعالى في الحديث القدسي:

"يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئًا .." [5] .

"فالمستفيد"في هذه القضية هو الإنسان ذاته، حين يؤمن بالله واليوم الآخر، والخاسر فيها هو الإنسان ذاته، حين تقعد به ثقلة الهبوط عن الإيمان.

(مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا) [6] .

(وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [7] .

و"الفساد"الذي يسري في الأرض حين يهبط الإنسان عن الإيمان بما لا تدركه الحواس، فيفقد الإيمان بالله واليوم الآخر، ويفقد معنى وجوده، ألوان شتى لا يدركها الحصر.

ففوق انطفاء القبسة المضيئة في روح الإنسان، المستمدة من النفخة العلوية من روح الله في قبضة الطين، وبروز قبضة الطين بعتامتها وثقلها، وانتشار الصراع الوحشي في الأرض، الذي يؤكل فيه الصغار، أو يداسون بالأقدام .. تظل"القيم"هي القيم المادية، ويظل الصراع بين البشر على امتلاك المتاع الحسي والاستزادة منه على حساب المستضعفين، في شكل استعمار و"إمبريالية"وطغيان، وإن أخذ شكل حضارة وتمدن وتقدم ورقيّ!

ينشغل الإنسان بذاته، لأنها محور استمتاعه، فإذا امتد اهتمامه فلقومه، لأن الخير الذي يعود عليهم يعود عليه في النهاية بمزيد من الاستمتاع. ولكنه لا يمتد إلى ما وراء ذلك، لأن ما وراء ذلك يحتاج إلى"إنسانية الإنسان"التي يفقدها حين يفقد القدرة على الإيمان بما وراء العالم المحسوس.

(1) الأعراف: 179.

(2) الحجرات: 13.

(3) البقرة: 251.

(4) أخرجه مسلم.

(5) أخرجه مسلم.

(6) الإسراء: 16.

(7) العنكبوت: 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت