وحتى في داخل ذاته، وفي محيط قومه، فما حدود اهتماماته؟ وما محيط القدر الذي"يستثمره"مما وهب الله له من مزايا تفرد بها، وفضله الله بها على كثير ممن خلق؟
إنه يستثمر ولا شك جوانب من هذه المواهب، وقد يستثمرها ببراعة تثير الإعجاب .. تلك التي تحقق له المتاع الحسي، وتحقق له الغلبة على الآخرين في صراع البقاء الوحشي .. ولكنه يترك بقية المساحة الموهوبة له يبابا مقفرًا، لا يضيع هباء فحسب، بل تأوي إليه الهوام والحشرات التي تفسد فيها النهاية المساحة التي يستثمرها، فتزدهر حينًا من الوقت بما يبذل فيها من الجهد، ثم تنتهي بالبوار ..
والذي يفتن الناس عن هذه الحقيقة أن كثيرًا ممن لا يؤمنون بلا إله إلا الله ممكنون في الأرض و"ناجحون"بالمقاييس الدنيوية، فيخيل لكثير من الناس في الجاهلية المعاصرة أن"لا إله إلا الله"لا تأثير لها في واقع الحياة، وأنه يستوي أن يكون الإنسان مؤمنًا، أو كافرًا .. فمعايير النجاح"فنية"و"علمية"و"موضوعية"ولا علاقة لها بالاعتقاد. بل قد يجدون في الواقع المعاصر ما يغريهم بالظن بما هو أسوأ من ذلك، وهو أن الكفر بلا إله إلا الله من مستلزمات النجاح .. والعياذ بالله!
والسبب في هذا الوهم الذي يسيطر على الجاهلية المعاصرة خاصة -أو من أٍسبابه- الجهل بالسنن الربانية، وسطحية التفكير، وغلبة الشهوات، وانطماس البصيرة عن رؤية الحق، والغفلة التامة عن اليوم الآخر:
(يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [1] .
فأما الجهل بالسنن الربانية فإنه يجعل الناس في غفلة عن حقيقة مذكورة في كتاب الله في أكثر من سورة، وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل التمكين في الحياة الدنيا خاصًا بفريق من الناس دون فريق، بل قال سبحانه:
(كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) [2] .
فالدنيا -كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- لا تساوي عند الله جناح بعوضة، لذلك يعطى الكافر منها بقدر ما يجتهد في الحصول عليها:
(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ) [3] .
والدنيا -من ناحية أخرى- هي محل الابتلاء الذي خلق الله الإنسان من أجل أن يخوضه:
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [4] .
(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [5] .
فلو أعطاها الله لفريق من البشر دون فريق، لم يعد للابتلاء معنى .. إنما يكون له معنى حيت تتاح للبشر جميعًا، ثم يختبر الناس: أيهم تفتنه الحياة الدنيا فتشغله عن ربه، وعن اليوم الآخر، وأيهم يأخذ قسطه من متاع الأرض وهو عابد لربه، ملتزم بأوامره، ومن ثم فإن التمكين في ذاته يمكن أن يتم للمؤمنين وللكافرين سواء -إذا اتخذوا الأسباب- دون أن يتعلق ذلك بالإيمان، أو الكفر .. ومع ذلك فهناك فروق يغفلها الناس حين تصيبهم سطحية التفكير، وغلبة الشهوات، والغفلة عن الآخرة ..
يقول تعالى عن الكفار والمعاندين:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ .. ) [6] .
ويقول في موضع آخر:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) [7] .
(1) الروم: 7.
(2) الإسراء: 20.
(3) هود: 15.
(4) الإنسان: 2.
(5) الكهف: 7.
(6) الأنعام: 44.
(7) الأعراف: 96.