الصفحة 30 من 105

فأبواب التمكين المادي مفتوحة كلها -أو يمكن أن تفتح كلها- للكفار المعاندين. ولكن باب البركة لا يفتح عليهم، لأن الله اختص به المؤمنين، فلا يناله الكفار ولو فتح عليهم الرخاء المادي، الذي يظنه أصحاب الشهوات غاية الغايات في الحياة الدنيا .. ومن أراد مثالًا فلينظر إلى الغرب اليوم -بكل ما فيه من تقدم علمي ومادي وتكنولوجي وحربي- ولينظر إلى ما يعانيه الناس فيه من القلق والجنون والانتحار والأمراض النفسية والعصبية، والخمر والمخدرات والجريمة، واللهاث الدائم وراء تحقيق الشهوات .. دون بركة في الوقت ولا المال ولا الأسرة ولا الذرية، ولا المعاني التي تليق بالإنسان، ولا الطمأنينة كذلك، فإنها وقف على المؤمنين الذين يذكرون الله:

(أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [1] .

وهذا وذاك فضلًا عن كون هذا التمكين -الذي يتاح للكفار في الأرض للاستدراج- موقوت مهما طال:

(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [2] .

فالظن -السطحي- بأن الإيمان بلا إله إلا الله لا تأثير له في حياة الإنسان في الحياة الدنيا، ظن لا يصدر إلا عن الذين لم يذوقوا حلاوة الإيمان، ولم تخالط بشاشته قلوبهم، ويحسبون في غفلتهم أن ما هم فيه من المذاقات الدنسة هو أحلى ما يتاح للإنسان تذوقه في الحياة الدنيا! وإذ لم يؤمنوا به فلن يتصوروه ولن يصدقوه!

(إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ) [3] .

(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .. ) [4] .

وقد كان المسلمون -وقت أن كانوا مستمسكين بما أمرهم الله أن يستمسكوا به -يستمتعون بالتمكين في الأرض على أعلى مستوى تحقيقًا لوعد الله لهم:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [5] .

وكانوا بالإضافة إلى ذلك ينعمون بالبركة في حياتهم. وليس أقل البركة صلة قلوبهم بالله، التي تشعرهم بالقرب من الله، وبرعاية الله لهم، واستجابته لدعواتهم، ونقاء المجتمع من الفاحشة [6] ، واطمئنان الناس إلى أنسابهم، واستقرار الأسرة ومتانة روابطها، وروح المودة والوئام التي تربط الناس كأنهم أهل، والسعي إلى الرزق مع طمأنينة القلب .. وفرق بين ذلك كله وبين متاع الكفار الذي قال الله فيه:

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَاكُلُونَ كَمَا تَاكُلُ الْأَنْعَامُ .. ) [7] .

وهذا كله في أمور الحياة الدنيا ..

أما الآخرة فلها شأن آخر .. ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهي خالصة للذين آمنوا:

(1) الرعد: 28.

(2) الأنعام: 44 - 45.

(3) الأعراف: 30.

(4) البقرة: 212.

(5) النور: 55.

(6) قلنا مرارًا إن نقاء المجتمع من الفاحشة لا يعني خلوه التام منها، فهذا لم يحدث في أي مجتمع في التاريخ، ولا مجتمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نفسه، إنما يعني ندرة وقوعها، وأنها حين تقع تكون في حس الناس شذوذًا يستنكر.

(7) محمد: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت