الصفحة 26 من 105

والدول"العصرية"المتقدمة، تسن القوانين، وتجند الشرطة، وتشغل المحاكم، وتشغل السجون، وتقول تقريراتها إن نسبة الإدمان فيها آخذة في الازدياد ..

ثم إن هناك فرقًا في النوعية: بين أن يكون دافع الطاعة هو الخوف من سطوة القانون، وأن يكون الدافع مخافة الله، النابعة في القلب من الإيمان بلا إله إلا الله .. ومع أن الله"يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"كما قال عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، ولكن يظل الفارق قائمًا بين وجود القاعدة الإيمانية، وكونها الدافع الأول للسلوك -بأي درجة من الدرجات- وبين عدم وجود تلك القاعدة أصلًا، وانحصار الوازع في السلطان.

أما فارق التوقيت فله كذلك شأن ..

إن البدء بأي من المشاكل السالفة الذكر كان يمكن أن يحلها حلًا جزئيًا بصورة من الصور .. ولكن المشكلة الجذرية التي أنشأت كل المشاكل الأخرى كانت ستظل قائمة في النفوس .. ويظل"الإنسان"على ما هو عليه بغير إصلاح حقيقي ..

يمكن أن تسترد الأرض، وتُرْضى"العزة القومية"..

يمكن أن يخف الظلم الاجتماعي ويتحرر الإنسان من"الاستغلال"، أو يتوهم أنه تحرر!

يمكن أن تقوم دولة مركزية لها شرطة ومحاكم وسجون، بدلًا من الحكومات القبلية التي تحكم كل منها قبيلتها، وتعبد فيها القبيلة ربًا فيقول قائلها [1] :

وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشد!

كان يمكن أن يحدث كل ذلك، أو شيء منه، ويبقى"الإنسان"عبدًا لغير الله، تتناوشه خرافات الآلهة الزائفة، وينفق طاقته في التعبد للوهم الذي يعبده، وتستعبده شهواته، ويشرع له البشر فينقلب الناس إلى سادة وعبيد .. سادة يملكون ويشرعون، وعبيد يقع عليهم عبء التشريع .. كما يحدث في كل جاهلية في التاريخ، بما في ذلك الجاهلية المعاصرة، وإن أوهمت أهلها أنهم يشاركون في التشريع [2] .. وهذا كله في حساب الأرض .. حساب الحياة الدنيا .. أما حساب الآخرة .. !

كلا! لم يتوجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى حل أي من هذه المشاكل في بدء عمله في الدعوة. إنما توجه بأمر ربه إلى الدعوة للا إله إلا الله، حتى إذا قامت لا إله إلا الله في قلوب العصبة المؤمنة التي يعدها الله، لتكون نواة"الأمة الربانية"، وتكون هي"القاعدة الصلبة"التي تحمل البناء، وعلم الله من هذه القلوب أنها تجردت له .. أخذت تتنزل التكاليف، وبدأت"مقتضيات لا إله إلا الله"تتسع حتى شملت الحياة كلها، بما فيها تلك القضايا ذاتها، التي لم يبدأ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والتي كان لا بد من حلها؛ لكي تقوم الأمة الربانية على أسس قوية صامدة .. ولكن كان لا بد -في المنهج الرباني- أن تتحول تلك القضايا إلى"متطلبات إيمانية"مرتبطة بلا إله إلا الله، لا مجرد اهتمامات بشرية تخضع لأهواء البشر ومعايير البشر، وأن يكون الجهد الذي يبذل في حلها قد بذل ابتغاء مرضاة الله، لا لمجرد المنفعة الدنيوية التي قد تنتج عنها .. وحين حدث ذلك بالفعل كان الأداء على نسق غير مسبوق في البشرية، وكانت النتائج شيئًا يشبه المعجزات!

وفيما يلي نتحدث عن أبرز مقتضيات لا إله إلا الله، سواء منها المقتضى الإيماني الذي تحدثنا عنه مرارًا من قبل، أو المقتضيات الأخرى، التي قد يبدو بعضها -حتى عند فريق من الإسلاميين أنفسهم- أمورًا خارجة عن نطاق لا إله إلا الله.

(1) هو دريد بن الصمة.

(2) اقرأ إن شئت فصل"الديمقراطية"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت