لقد كانت في حياة العرب -الذين اختارهم الله؛ ليكونوا قاعدة الانطلاق للدعوة الجديدة- عدة مشكلات تحتاج إلى حل، وعدة انحرافات تحتاج إلى تقويم. إلى جانب القضية الكبرى: قضية الشرك بالله في صورة اعتقاد، وفي صورة عبادة، وفي صورة تشريع ..
كانت هناك النزاعات القبلية تبدد طاقات القوم، وتمنع تجمعهم في"أمة".
وكانت هناك الانحرافات الخلقية من خمر وميسر وفاحشة مستعلنة، بالإضافة إلى الظلم المتفشي في البيئة بجميع ألوانه، سواء الظلم السياسي، أو الظلم الاجتماعي، أو الظلم الاقتصادي، مع الحمية القبلية التي تقول: أنصر أخاك ظالمًا، أو مظلومًا [1] ، والحمية الجاهلية التي تقول:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... إلى القتال على ما قال برهانًا!
والتي ترتب عليها أن يقول القائل:
ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم، ومن لا يظلم الناس يظلم!
ويقول الآخر:
إذا أنت لم تنفع فضرّ! فإنما ... يُرَجّى الفتى كيما يضر وينفعا!
وكان هناك الاحتلال الفارسي لجزء من الجزيرة في الجنوب، والاحتلال الروماني لجزء آخر من الجزيرة في الشمال ..
وكان يمكن -بالتفكير البشري- أن يبدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بأي من هذه القضايا، لو أنه زعيم بشري يتطلع إلى السيادة والزعامة، أو يتطلع إلى خدمة قومه لينقذهم مما هم فيه من مشاكل وانحرافات ..
كان يمكن أن يبدأ بالمشكلة الداخلية فيسعى إلى توحيد القبائل وإزالة ما بينها من خلافات، ثم يتجه لحل المشكلة القومية بإخراج الفرس والروح من أرض الجزيرة.
أو يبدأ بالمشكلة الأخلاقية، فيدعو إلى تطهير"المجتمع"من المفاسد الخلقية، وتربية النفوس على النظافة والتطهر والارتفاع.
أو يبدأ بالمشكلة الاجتماعية المتمثلة في فوارق الطبقات، وطغيان أصحاب الثروة واستعبادهم للمستضعفين، واستغلال جهدهم، ليزدادوا فقرًا وذلًا ويزدادوا هم ثراء وطغيانًا ..
ولكنه وهو نبي مرسل -وليس زعيمًا من"عظماء"الأرض- لم يوجهه ربه أن يبدأ بشيء من ذلك الذي يمكن أن يتجه إليه زعماء البشر حين يتطلعون إلى"الإصلاح"..
إنما وجهه ربه أن يبدأ بلا إله إلا الله، ويدعو قومه إلى الإيمان بها، ويربي من استجاب منهم على مقتضياتها.
ولكن القضية التي نريد أن نبرزها هنا أن هذه المشاكل والانحرافات كلها قد عولجت فيما بعد. فهي ليست خارجة من الحساب، وليست مما لا يجوز توجيه الاهتمام إليه، وليست أمرًا ثانويًا في حياة الأمة التي يراد لها أن تكون خير أمة ..
ولكن فرق بين علاج وعلاج ..
إنها -حين عولجت- لم تعالج على أنها قضايا سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو أخلاقية .. الخ.
إنما عولجت -حين جاء دورها- على أنها من مقتضيات لا إله إلا الله! حين اتسعت مقتضيات لا إله إلا الله فشملت كل شئون الحياة.
فهل ثمت فرق بين تناولها على أنها قضايا سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو أخلاقية ... إلخ وتناولها على أنها من مقتضيات لا إله إلا الله؟
نعم هناك فرق ولا شك .. فرق في الطريقة، وفي النوعية، وفي التوقيت ..
ولعل مثلًا واحدًا يغنينا عن مزيد من الشرح، هو ما حدث في تحريم الخمر، وما يحدث اليوم في الدول"المتقدمة".. الدول"العصرية"!
تروي كتب السيرة -كما ألمحنا في أكثر من كتاب- أنه حين نزل تحريم الخمر، أرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مناديًا ينادي في طرقات المدينة: أيها الناس! الا إن الخمر قد حرمت .. وما زاد على ذلك .. وتقول كتب السيرة: فمن كان في فمه شربة خمر أراقها، ومن كان في بيته زق خمر أراقه، حتى ظلت المدينة أيامًا تفوح طرقاتها برائحة الخمر ..
(1) لا يرده عن الظلم كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولكن بالقتال إلى جانبه وإن كان ظالمًا كما كانت تفعل الجاهلية!