وأدركوا أن الشريعة الربانية تلتقي التقاء كاملًا مع هذه الحقيقة الكائنة في حياة البشر. ففيها ثوابت لا تتغير، تحدد الأمور الثابتة في حياة البشر. وفيها قواعد ثابتة تحكم ما هو عرضة للتغير الدائم بحكم انتقال حياة الناس من طور إلى طور .. وأن الله أنزل تفصيلات في الأمور الثابتة، سواء في كتابه المنزل، أو في سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، بينما أنزل حكمًا مجملًا في المتغيرات، ثم أباح للعقل المؤمن، الملتزم بمقتضيات لا إله إلا الله أن"يجتهد"في إنزال المستجدات على الأحكام الثابتة، فكان"الفقه"الذي بدأ مباشرة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وانقطاع الوحي .. أي منذ قام المسلمون بالتطبيق العملي لهذا الدين، مستمدين من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ومستندين إليهما في كل الأمور ..
والاجتهاد هو الأداة الدائمة للتوفيق الدائم بين الثابت والمتغير في حياة المسلمين، والأداة التي حفظت حياة المسلمين في إطار الشريعة الربانية عدة قرون ..
وهنا يتحفز"العلمانيون"بدعاوى، يحسبون أنهم يبطلون بها شريعة الله!
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [1] .
منهم من يقول: إن الحياة الإسلامية جمدت في القرون الثلاثة الأخيرة بسبب ثبات أحكام الشريعة، وعدم وفائها بالمستجدات الهائلة التي جدّت في حياة البشر ..
وهؤلاء لا يدركون أنهم بهذه المقولة يخرجون من دين الله أصلًا، بل يخرجون من الباب الأكبر الذي يدخل منه المسلمون في دين الله، وهو باب العقيدة. لأنهم -وإن لم يعوا ذلك- ينفون عن الله جل وعلا صفة العلم وصفة الحكمة، كأنهم يتصورون -في جهالتهم- أن الله لم يكن يعلم -وهو يفرض هذه الشريعة- أن أحوال الناس ستتغير في القرون التالية، وأن الشريعة التي فرضها لن تصبح إذن وافية بما جد في حياة الناس! كما أن فرض شريعة غير صالحة للتطبيق في الظروف المتجددة أمر لا حكمة فيه، بل هو مجافٍ للحكمة تمام المجافاة!
ومنهم من يقول: إن الاجتهاد عملية بشرية .. وإن الذي يطبق ليس هو شرع الله، إنما هو فهم البشر لشرع الله! وإن شرع الله -على هذا المعنى- شيء لا وجود له في الحقيقة! إنما الموجود هو التصور البشري لشرع الله، وهذا قابل للتغير، كما أن الاختلاف حاصل فيه بالفعل بين فقيه وفقيه .. فلماذا نطالب بتطبيق شيء لا وجود له في الحقيقة، أو ليست له صورة محددة يمكن أن يقال: إنها هي -وليس غيرها- شرع الله!!
ويزيد على ذلك قوم آخرون فيقولون: ما دامت هي عملية بشرية، فلماذا لا نكون صرحاء مع أنفسنا، ونكون في الوقت ذاته من الشجاعة بحيث نتخذ قرارًا حاسمًا: أن نلغي من حسابنا تمامًا شيئًا اسمه الشريعة. ونأخذ القانون الوضعي بلا تحرج، لأنه قانون"جاهز"و"متطور"ومساير لما حدث في حياة الناس من مستجدات! فوق أنه قانون لا قداسة له، لأنه من صنع البشر فنستطيع أن نلغيه متى نشاء، أو نعدله متى نشاء!!
وهؤلاء وهؤلاء -وإن كانوا"قانونيين!" [2] - يغالطون أنفسهم، أو يغالطون الناس مغالطة قبيحة مكشوفة ..
(1) الصف: 8 - 9.
(2) معظمهم من القانونيين!