الصفحة 65 من 105

وانظر إلى عمارة البيت الإسلامي في المدينة الإسلامية .. إنه وافٍ بكل احتياجات المسلم -كل على قدر سعته- إن فيه مكانًا لاستقبال الضيوف. فالمسلم كريم، وروابط الإخاء والمودة تربط بين الناس فيتزاورون. وفيه مكان للمعيشة وتناول الطعام. وفيه مكان للمبيت .. ولكن الفارق الأساسي بينه وبين بيت المدينة الجاهلية المعاصرة أن فيه"حرمًا مصونًا"لا يرى الأجنبي فيه أهل البيت وهن يقمن بنشاطهن اليومي المطلوب للحياة .. إنه منزل تلتقي فيه"المصلحة"بالأخلاق التي فرضها الله؛ وتلتقي فيه الحياة الدنيا بالآخرة ..

وله آداب ..

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَانِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ، لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ، قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ... ) [1] .

إنها آداب .. وإنها أخلاق .. وإنها حضارة .. وإنه دين!

وانظر إلى المؤسسات"الحضارية"في المدينة الإسلامية ..

ديوان الحسبة. ديوان القضاء. ديوان المظالم. المدارس. البيمارستانات. دور العجزة. دور الرفق بالحيوان. الحمامات العامة. المكتبات العامة."نقابات"الصناع. الأوقاف .. الخ .. الخ ..

إنها كلها ذات دلالة حضارية واضحة. ولكن المهم فيها -في المدينة الإسلامية- أنها مؤسسات أقيمت بدافع ديني، ولتؤدي أهدافًا دينية .. فأنت حيثما تجولت في المدينة، وأيا كانت وجهتك، في لقاء دائم مع شيء أو شخص أو مؤسسة أو نظام يذكرك بالله، ويذكرك باليوم الآخر، ويذكرك أن هدف حياتك الأكبر هو عبادة الله، بالمعنى الواسع الشامل للعبادة، الذي يشمل فيما يشمل عمارة الأرض بمقتضى منهج الله.

وبالإضافة إلى ذلك كان المجتمع الإسلامي -سواء في الريف أو البادية أو المدينة- أقل مجتمعات العالم جريمة، وأقلها -بالذات- وقوعًا في الفاحشة، نتيجة إيمانه بالله واليوم الآخر، ونتيجة تطبيق المنهج الرباني، وتطبيق شريعة الله.

وهذا عنصر"حضاري"لا يجوز أن نغفله ونحن نتحدث عن المقتضى الحضاري للا إله إلا الله، خاصة ونحن نعيش في ظل"حضارة جاهلية"هائلة .. لا تنقطع الجريمة فيها لحظة من ليل أو نهار!

وعودة إلى عناصر"الالتزام"في قضية الحضارة ..

لقد تحدثنا عن التكليف العام للإنسان -الخليفة- بعمارة الأرض. والتكليف الخاص للإنسان المؤمن -الخليفة الراشد- بتعمير الأرض بمقتضى المنهج الرباني ..

والآن نتحدث عن عنصر آخر من عناصر الإلزام بالنسبة لهذه الأمة بالذات .. إنه"الشهادة"على كل البشرية:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [2] .

إن الشهادة على الناس تقتضي أن تعطي هذه الأمة المثال الصحيح في كل شيء، وأن تكون مبرزة في كل أبواب الخير ..

(1) النور: 27 - 31.

(2) البقرة: 143.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت