الصفحة 66 من 105

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) [1] .

إن الشهادة الكبرى هي الشهادة لهذا الدين .. تبليغ الرسالة المحمدية إلى البشر كافة، وتعليمهم -عن طريق القدوة العملية- كيف يكون التطبيق العملي لهذا الدين في واقع الأرض. وبهذا تكون الأمة قد"شهدت"على الناس.

والشهادة تقع بين يدي الله يوم القيامة، سواء من الأمة على الناس، أو من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الأمة .. ولكن كيف تتم الشهادة يوم القيامة إن لم تقم -مثالًا واقعيًا- في الحياة الدنيا؟!

كيف يشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الأمة يوم القيامة؟ إنه يشهد بجهاد الدائب الذي لم يفتر لحظة خلال ثلاثة عشر عامًا في مكة وعشر سنوات في المدينة لتعليم الأمة أمر دينها -بالقدوة العملية- وتربيتها على مقتضيات الدين. فإذا قال يوم القيامة بين يدي مولاه: ألا إني قد بلغت! فقد صدق، وهو الصدوق عليه الصلاة والسلام. وتشهد له أمته يوم القيامة كما شهدت في حجة الوداع، حين وقف عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع يخاطب الجموع: ألا هل بلغت؟ فيؤمن الناس، فيقول عليه الصلاة والسلام: اللهم فاشهد!

وعلى نسق ما يشهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أمته يوم القيامة وتشهد له، تشهد هذه الأمة على"الناس"فلا يشهدون لها إلا حين تكون قد أعطت النموذج العملي، الذي تتعلم منه البشرية حقيقة هذا الدين ..

ولقد قامت الأمة بالفعل -ردحًا من الزمن غير قصير- بتبليغ الرسالة، والجهاد في سبيلها، وتعليم الناس بالقدوة العملية كيف يكون التطبيق العملي لهذا الدين ..

فهل هو دين للآخرة وحدها منقطعة عن الدنيا؟!

أم هو دين الدنيا والآخرة:

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [2] .

وهل هو دين الروح وحدها منفصلة عن الجسد؟:

(وإن لبدنك عليك حقا .. ) [3] .

وهل هو دين"عبادة"فقط، بالمعنى المحدود للعبادة، أي القيام بالشعائر التعبدية؟

(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [4] .

إنه -بحكم التوجيهات الربانية- دين سياسة واقتصاد واجتماع وجهاد وعمل لعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني ..

فكيف تشهد الأمة الإسلامية بهذا الدين على الناس، إن لم تطبق كل مقتضياته -كلها على الإطلاق- ونتفوق فيها لتعطي النموذج المطلوب؟

إنه ليس تطوعًا من هذه الأمة أن تقوم بنشاطها الحضاري .. ولكنه تكليف!

ومن باب ثالث يجيء الإلزام ..

(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) [5] .

والدين لا يظهر -في عالم الواقع- بقوة"الكلمة"وحدها، مهما تحدث الكتاب والخطباء عن قوة الكلمة!

كم في البشر مثل أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- آمن بالحق بمجرد أن آمن أنه الحق؟!

وكم في البشر مثل الصحابة -رضوان الله عليهم- الذين آمنوا لما عرفوا الحق، في وجه اضطهاد لا مثيل له؟!

إنما يتلكأ معظم الناس حتى يروا الحق قد"ظهر"! وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجًا!

ولكي"يظهر"الحق لا بد له من"أدوات"تسانده، إلى جانب وجود العصبة المؤمنة -أي القاعدة الصلبة- التي تؤمن به إيمانًا راسخًا، وتستمسك به في وجه الاضطهاد والعذاب، وتموت في سبيله، وتضحي في سبيله بمتاع الدنيا كله ..

والقوة من هذه الأدوات .. ولذلك قال تعالى:

(1) آل عمران: 110.

(2) القصص: 77.

(3) أخرجه البخاري.

(4) الجمعة: 10.

(5) الصف: 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت