الصفحة 61 من 105

إن هناك مقتضى فكريًا للا إله إلا الله، يجعل المسلم يفكر بمنهج معين، لا يختلط بمناهج التفكير الجاهلي، وإن التقت بعض جزئيات تفكيره مع أفكار غيره، فيما يتعلق بالحقائق العلمية والتجارب المعملية، ولكن المسلم يتناولها بطريقته الخاصة، ويعطيها تفسيرها المستمد من مقررات الكتاب والسنة ..

أما العلوم التي تتصل"بالإنسان".. وتعتمد أساسًا على التصور الذي نتصوره عنه، فالمسلم ينفرد فيها بتصوره الخاص، المستمد من الحقائق الكبرى المذكورة عن الإنسان في كتاب الله: أنه قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله. وأنه نشأ إنسانًا من أول لحظة، ولم يكن قط حيوانًا ثم تطور. وأنه وهب المواهب التي تصلح للمهمة التي أنشأه الله من أجلها، وأهمها الوعي والإرادة والحرية، وأن له طريقين لا طريقًا واحدًا، وله القدرة على التمييز بين الطريقين، والقدرة على اختيار أحد الطريقين .. وهي هي المزايا التي تفرد بها الإنسان، والتي تميزه عن عالم الحيوان:

(إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [1] .

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [2] .

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [3] .

(وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [4] .

(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) [5] .

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) [6] .

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) [7] .

بهذا المنهج الفكري يتكون لدينا المفكر المسلم والعالم المسلم والأديب المسلم والباحث المسلم .. وقد كان هؤلاء جميعًا موجودين في الأمة الإسلامية بكثافة ملحوظة حين كانت هذه الأمة مستمسكة بدينها .. فلما غفلت عن دينها قلت كثافتهم حتى كادت تذهب .. وفي فترة الغزو الفكري والانسحاق تحت الضغط عجّت الساحة بمسخ مشوه يقول بضرورة"الانفتاح"على الحضارة العالمية (يقصدون الغربية!) وضرورة التبادل الثقافي (يقصدون الأخذ من الغرب، فليس عندهم شيء ذاتي يتبادلونه مع أحد!) وضرورة مساكنة أصحاب القرية الواحدة التي صنعتها"ثورة التكنولوجيا" (يقصدون تقليد أوربا في كل شيء!) .

إن الانفتاح مطلوب، والتبادل الثقافي مطلوب، والمعايشة والمساكنة مطلوبة، ولكن بالعزة التي ينشئها الإيمان في نفس المؤمن، والتميز الذي يصنعه المنهج الإسلامي في فكر المؤمن.

إن العالِم الملحد، والعلم الإلحادي، موجود يملأ ساحة الأرض. والذي تحتاج إليه البشرية لتنجو من الدمار ليس مزيدًا من ذلك العلم ولا أولئك العلماء. إنما تحتاج البشرية إلى العلم الإيماني، وإلى العالم المؤمن .. وهذا هو الذي ينشئه المنهج الإسلامي، والذي سميناه هنا"المقتضى الفكري"للا إله إلا الله ..

لقد كانت الأمة الإسلامية -يوم كانت حقًا- أمة عالمة، بل كانت هي الأمة العالمة في الأرض، ومنها تعلمت أوربا كثيرًا من العلوم، وتعلمت المنهج التجريبي في البحث العلمي. ولكنها كانت دائمًا أمة تؤمن بالغيب .. وهذه مزيتها: الإيمان بعالم الغيب وعالم الشهادة في آن واحد، بلا تناقض ولا صدام ..

(1) ص: 71 - 72.

(2) البقرة: 30.

(3) هود: 61.

(4) النحل: 78.

(5) البقرة: 31.

(6) الشمس: 7 - 10.

(7) الإنسان: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت