الصفحة 54 من 105

ليس القصد من هذه العجالة تفصيل الحديث في أخلاقيات لا إله إلا الله، فموضع ذلك الدراسات المتخصصة، وكتاب الله وأحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- نبع غزير يفيض بالتوجيهات الخلقية في كل اتجاه ..

إنما الهدف المقصود من هذه العجالة بيان ارتباط هذه الأخلاقيات بلا إله إلا الله، بحيث يصح أن نطلق عليها"أخلاقيات لا إله إلا الله"وبيان مدى شمولها، ورسوخها في بنية هذا الدين، حتى إن أول سورة أنزلت، وآخر آية أنزلت كانت توجيهًا عقديًا وأخلاقيًا في ذات الوقت [1] .

لذلك كان من العجب أن تخلت هذه الأمة عن أخلاقياتها، فأخرجتها أولًا من مقتضيات لا إله إلا الله، ثم أخرجتها من دائرة السلوك العملي، حتى أصبحت بالنسبة للجاهلية المعاصرة ذاتها معرة بين أمم الأرض [2] ..

إن الأرض اليوم كلها -إلا ما رحم ربك- تعيش بلا أخلاق:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) [3] .

ولكن الجاهلية المعاصرة تتظاهر -على الأقل- بأن لها أخلاقيات عالية، تحرص عليها، وتربي عليها أبناءها ..

ونحن لا تخدعنا أخلاقيات هذه الجاهلية -مهما بدا من جمالها الظاهري- لأننا نعرف أنها في حقيقتها أخلاق نفعية مصلحية (براجماتية) هدفها تحقيق المصالح الأرضية، و"تشحيم"عجلة الحياة اليومية؛ لتجري أسرع ما تستطيع أن تجري بأقل احتكاك ممكن، وسندها الواقعي أن كل إنسان"أبيض"في المجتمع الغربي يمد إحدى يديه بالمصافحة، والأخرى وراء ظهره تحمل سكينًا مستعدة لرد أي اعتداء، ويعلم أن الإنسان الأبيض الآخر يحمل ذات السكين وراء ظهره، فمن الخير إذن، أي من المصلحة أن يكون كل منهما مهذبًا مع الآخر إلى أقصى حد، لتقليل الاحتكاك كما أسلفنا، وتشحيم عجلة المجتمع .. ولكنها ليست أخلاقًا ربانية، لأنه لا اتصال لها بالله، ولا بدين الله .. ومن أجل ذلك لا يجد الرحل الأبيض حرجًا في أن يعتدي على الرجل الملون، الذي يعلم أنه لا يحمل السكين التي يحملها الرجل الأبيض، ولا يجد القاضي الأبيض حرجًا في تبرئة رجل الشرطة الذي يكسّر عظام الرجل الملون، ولا يجد العالم الأبيض الذي يسمي نفسه"العالم الحر"حرجًا في أن يذبح الصربيون المسلمين من أهل البوسنة والهرسك، ويرتكبوا أبشع المجازر، وأن يحرّق البوذيين والهنادكة الوثنيون المسلمين في بورما والهند .. بينما كانت أخلاق المسلمين -حين كانوا مسلمين حقًا- أخلاقًا ربانية، لا تتصل بالمصلحة القريبة، ولا بمبدأ أن الغاية تبرر الوسيلة .. إنما هي ذلك الميثاق مع الله ..

ومن أجل ذلك لم تكن تتغير أخلاق المسلمين حين ينتقلون من بلد إلى بلد، ولا من مناخ إلى مناخ، لأن الله الذي يعبدونه في بلادهم هو الله الذي يعبدونه في البلد الآخر، وميثاقه هو ميثاقه، والتزاماته هي التزاماته ..

(1) آخر ما نزل -على الأقوال الراجحة- آية سورة البقرة: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ) [البقرة: 281] .

(2) سنتكلم في فصل قادم عن الانحرافات التي وقعت في مفهوم لا إله إلا الله.

(3) الروم: 41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت