الصفحة 75 من 105

إنها مهزلة أن تتحكم مقررات البشر، الجاهليين منهم خاصة [1] ، في تحديد تعريف لدين الله، الذي حدده منزله سبحانه وتعالى، ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وبينه الكتاب والسنة البيان الأوفى .. وقرر الكتاب المنزل أن المرجع في كل أمر من أموره هو الله:

(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) [2] .

(فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) [3] .

ولكن المهزلة -مع كونها أثرًا من آثار الغزو الفكري اليوناني [4] - فقد ظلت فترة من الوقت محصورة في دائرة علم الكلام، أو كما نقول اليوم، ظلت في الأبراج العاجية لا تنزل إلى ساحة الواقع، وظل المسلمون يتلقون أمور دينهم من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يلتفتون إلى ما يلوكه علماء الكلام من قضايا لا صلة لها بعالم الواقع.

ولكن الطامة جاءت حين بدأ الناس يتفلتون من التكاليف ..

إن التفلت من التكاليف طبع بشري صاحَب الإنسان منذ نشأته:

(وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا) [5] .

ولكن الله أنزل لهذا الداء دواء، هو التذكير:

(وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [6] .

وحين كان الناس في الأجيال المفضلة الأولى يجدون من يذكرهم، لا بالقول وحده، ولكن بالقدوة العملية، كان الأمر قريب التناول، والمشكلة محصورة في حدود لا تشكل خطرًا على كيان الأمة.

فلما زاد حج التفلت مع تباعد الزمن عن الأجيال المفضلة، وقل حجم التذكير بالقدوة الصالحة، هنا بدأ الفكر الإرجائي ينزل من الأبراج العاجية إلى الساحة العملية، ليغطي المساحة التي انحسر عنها العمل بمقتضيات لا إله إلا الله!

ولنتصور -للتقريب- أن العمل بمقتضيات لا إله إلا الله كان كاملًا، أو قريبًا من الكمال في الأجيال المفضلة، فكان الفكر الإرجائي معلقًا في الأبراج العاجية لا مكان له في الساحة العملية .. فلما انحسر العمل بمقدار عشرة في المائة -مثلًا- نزل الفكر الإرجائي؛ ليغطي المساحة المكشوفة، وليقول للناس: إن إيمانكم كامل على الرغم من هذا القدر من الانحسار!

فلما انحسر العمل خمسين في المائة، فقد اتسعت مساحة الفكر الإرجائي؛ لتغطي الخمسين في المائة، ولتقول للناس: إن إيمانكم كامل على الرغم من هذا القدر من الانحسار! فلما انحسر العمل مائة في المائة فقد وجد من يقول: من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام!!

ومع كل السوء والانحراف في هذه القولة الأخيرة، فقد وجد في العصر الأخير ما هو أسوأ منها! حيث اعتبر قول لا إله إلا الله باللسان مانعًا من الحكم على أحد بالكفر، ولو نقض لا إله إلا الله بأقواله وأفعاله في اليوم مائة مرة [7] !

وحقيقة إن لب المشكلة كان تفلت الناس من التكاليف، وقلة التذكير بالقدوة العملية، وانصراف كثير من"العلماء"عن مهمة التربية، وحصرهم جهودهم في مهمة التعليم وحدها، في حين كانت مهمتهم -وهم ورثة الأنبياء- تشمل التربية والتعليم معًا في آن واحد ..

(1) كان اليونان أمة جاهلية وإن كانوا فلاسفة!

(2) الشورى: 10.

(3) النساء: 59.

(4) سنتحدث في ثنايا الفضل عن أثر الغزو الفكري اليوناني في الفكر الإسلامي.

(5) طه: 115.

(6) الذاريات: 55.

(7) سنتحدث في الفصل التالي عن نواقض لا إله إلا الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت