الصفحة 76 من 105

نعم، ولكن الفكر الإرجائي قد أدى ولا شك إلى تفاقم المشكلة، فحين يخطئ الناس -وكل بني آدم خطاء- ولكنهم يدركون أنهم على خطأ، فسيظل الانحراف محصورًا مهما اتسع نطاقه، لأنه انحراف في السلوك وحده، بينما التصور صحيح. أما حين يكتسب الخطأ شرعية الوجود، فكيف يقف عند حد من الحدود؟!

لو تفلت الناس وهم شاعرون أن إيمانهم في خطر من ذلك التفلت، فقد يحفزهم ذلك إلى العودة، خاصة إذا وجدوا من يذكّرهم .. أما إذا تفلتوا ثم جاءهم من يطمئنهم إلى كمال إيمانهم رقم تفلتهم، فمنذا الذي يجد في ضميره رغبة في العودة إلى تحمل التكاليف التي تفلت منها بسبب من الأسباب؟!

لقد كان الفكر الإرجائي نوعًا من المخدر، يوهم العصاة والمنحرفين والمقصرين والغافلين عن أداء واجباتهم أنهم بخير، وأنه لا خطر عليهم، ما داموا يصدقون في دخيلة أنفسهم أن الله واحد، وينطقون بألسنتهم لا إله إلا الله!

ثم جاء الاستبداد السياسي -الذي وقع مبكرًا في حياة الأمة الإسلامية [1] -؛ ليقتضم قضمة أخرى من مقتضيات لا إله إلا الله!

إن الشمول الذي يتمثل في مقتضيات لا إله إلا الله في الرسالة المحمدية له حكمته الواضحة في المنهج الرباني الذي أنزله العليم الحكيم، وهي أن تُحكَم الأرض بمقتضى ذلك المنهج في كل جزئية من جزئياتها (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [2] .

ويعلم الله أن العدل السياسي لا يقوم في الأرض من جانب واحد -جانب الحكام-؛ لأن السلطة تُطْغِي صاحبها، إلا من رحم ربك، لذلك لم يترك الله هذا الأمر لضمير الحاكم وحده، إن شاء عدل وإن شاء طغى، وإنما جعل الأمة مسئولة عنه مسئولية مباشرة:

"لا والذي نفسي بيده، حتى تأطروهم على الحق أطرا" [3] .

وصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شدد في النهي عن الخروج المسلح على الحاكم المسلم المطبق لشريعة الله، إن وقع منه الجور، مخافة الفتنة التي تشق صف المسلمين وتقضي على وحدتهم، وتشغلهم عن رسالتهم العظمى في هداية البشرية، ولكنه لم يَدْعُ الناس للسكوت على الظلم، بل أنذرهم إن سكتوا عليه أن يعمهم الله بعقاب .. وقد كانت هناك بالفعل وسائل أخرى غير الخروج المسلح، اتبعت في بعض الحالات وآتت ثمارها، ومنها وقوف العلماء -ورثة الأنبياء- في وجه الظلم، وأطرهم السلاطين أطرا على الحق حتى يستقيموا عليه، ولو ذاقوا في سبيل ذلك ما ذاقوا كما حدث لابن حنبل وابن تيمية رحمهما الله، وما خبر العز بن عبد السلام ببعيد ..

ولكن الأمويين اشتدوا في ضرب المعارضين لهم متذرعين بشتى المعاذير، فخوفوا"الجماهير"من"الخوض في السياسة"!

وأيًا كانت معاذير بني أمية، فقد حدث ثلم في"مقتضيات لا إله إلا الله"، كانت له آثار خطيرة في مسيرة الأمة الإسلامية خلال التاريخ، حين صار الاستبداد بالسلطة كأنه أصل في حياة الحكام -إلا من رحم ربك- وتزايد بعد الأمويين لدى العباسيين ثم المماليك ثم العثمانيين، فحدث انحسار تدريجي في الشمول الرائع الذي نزلت به لا إله إلا الله من عند الله، وانحصر مفهوم"الدين"عند الناس تدريجيًا في"الأمور الخاصة"بدلًا من"الأمور العامة"وفي الشعائر التعبدية وحدها بدلًا من المفهوم الشامل للعبادة ..

نعم، حدث تركيز شديد على الشعائر التعبدية على أنها هي لب الدين، وهي مظهره العملي كذلك ..

وتحالف الفكر الإرجائي والاستبداد السياسي معًا على تقليص مساحة الدين الحقيقية، وتعرية كثير من مجالات الحياة عن ظله الظليل، وبالتالي تحجيم فاعليته في واقع الحياة العملية، وترك عوامل الفساد تمرح في الأرض ..

(1) اقرأ إن شئت كتاب"كيف نكتب التاريخ الإسلامي".

(2) الحديد: 25.

(3) أخرجه أبو داود والترمذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت