الصفحة 77 من 105

حقيقة، لقد بقى خير كثير في الأمة بالرغم من هذا كله .. ويرجع ذلك إلى ضخامة الأصل الكبير الذي كان عليه الدين في حقيقته يوم أن طبق تطبيقًا كاملًا كما أنزله الله؛ لذلك فإن كل الانحراف الذي حدث لم يستطع -بفضل الله- أن يقضي على الأمة، أو يقضي على الدين في حياة الأمة، فقد سبق في مشيئة الله أن يبقى هذا الدين إلى يوم القيامة، وأن تبقى الأمة التي تحمله مهما أصابها في الطريق من وهن .. إذ يبعث الله لها على مدى القرون من يجدد لها أمر دينها ويدعوها إلى العودة إليه ..

هذا الخير الكثير الذي بقى جعل كثيرًا من الناس يتغاضون عن الانحسار الذي وقع، ولكن هذا قد أدى بدوره إلى مزيد من الانحسار، في الجوانب الاجتماعية خاصة، مما استغله الغزو الفكري فيما بعد، ليقول للناس هذا هو الدين قائمًا (!) ولكن الأرض مملوءة بالفساد والظلم، فلا تلتفتوا إلى الدين؛ ليصلح لكم أحوالكم، ولا ترجوا من ورائه الخير [1] !

لقد فرطت الأمة كثيرًا في الأمانة التي ناطها الله بها، حين أهملت من مقتضيات لا إله إلا الله ما أهملت، وأخرجت منها ما أخرجت، وكانت نتيجة ذلك خسرانًا كبيرًا لا في حياتها وحدها -إذ صارت غثاء كغثاء السيل- ولكن في حياة البشرية كلها، التي ربطها الله بأحوال هذه الأمة منذ أخرجها للناس [2] .

ثم جاءت الصوفية؛ لتكمل الدائرة .. دائرة الانحسار ..

لقد كانت الصوفية -كالفكر الإرجائي- شيئًا دخيلًا على الإسلام، دين العمل والحركة في واقع الأرض، ودين المجابهة والجهاد لإقامة المنهج الرباني في عالم الواقع ..

حقيقة إن الإسلام يدعو إلى الزهد في متاع الحياة الدنيا؛ وسيد الزهاد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي كان أمامه -لو شاء- متاع الأرض كله، فزهد فيه إلا ما يقيم الأود ويحفظ الحياة. والذي أشفقت عليه زوجه الحنون عائشة -رضي الله عنها- وهو يفترش عباءته، فأرادت أن تخفف من قساوة الأرض تحت جنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فطبقت له العباءة طبقتين -ولا نقول وضعت له اللين من الفراش- فغضب -صلى الله عليه وسلم- وقال لها رديها كما كانت!!

نعم .. إن الزهد في متاع الحياة الدنيا، والاكتفاء منه بأقل القليل خلق إسلامي أصيل، أما بعد هذه النقطة فلا لقاء بين الزهد وبين الصوفية!

لقد كان عليه الصلاة والسلام زاهدًا، فهل اعتزل الناس ليعيش في صومعته بعيدًا عن معترك الحياة؟

كان زاهدًا .. فهل قال لنفسه -صلى الله عليه وسلم-: دع الخلق للخالق، فإنه لو شاء لهداهم، وعليك بخاصة نفسك؟

كان زاهدًا .. فهل كفّ عن الجهاد لحظة؛ لتكون كلمة الله هي العليا، داعيًا مربيًا، ومحاربًا، وحاكمًا، وراسم خطط وساعيًا في الأرض بجهده كله وطاقته كلها؟!

حتى مشيئته -صلى الله عليه وسلم-، تقول كتب السيرة إنه كان يمشي كأنما يتقلع من الأرض تقلعًا ..

ما أبعد سلبية الصوفية وعزلتها وتواكلها عن إيجابية الزهد وفاعليته وحركته لتغيير الواقع والارتقاء به ..

إن فكرة"الفناء"-التي جاهدت من أجلها الصوفية- فكرة هندية ليست من الإسلام، وكذلك فكرة خلاص الروح بتعذيب الجسد، أو إهماله، أو إهانته ..

وفكرة ترك الواقع يعج بما فيه من دنس واعتزاله للنجاة من أدرانه، وتطهير الروح من دنس الجسد بقتل الشهوات من أجل الخلاص في الآخرة فكرة مارستها الرهبانية النصرانية، وليست من الإسلام ..

كيف دخل هذا الخليط كله في حياة المسلمين؟!

(1) سنتحدث عن الغزو الفكري وآثاره في سياق الفصل.

(2) اقرأ كتاب"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للشيخ أبي الحسن الندوي. واقرأ إن شئت فصلًا بهذا العنوان في كتاب"رؤية إسلامية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت