الصفحة 78 من 105

في الصوفية الهندية يسعى الإنسان لتحقيق الخلود، ولا يتم هذا إلا بالفناء في"النرفانا" (الروح الأعظم) والاتحاد معه. وهذا بدوره لا يتم إلا بتعذيب الجسد وإهانته؛ لتنطلق الروح من أوهاقه، وترفرف في عالم النور، وتتعطل بذلك دفعة الحياة، فلا يعد هذا خسارة ولا تبديدًا للطاقة، فالحياة الدنيا دنس من جهة، ومن جهة أخرى قيد بعوّق انطلاق الروح. ومن ثم يكون تعطيلها، أو حتى قتلها- هو الكسب الذي يرتقي به الإنسان إلى الخلود، بالاتحاد مع النرفانا!

وفي النصرانية يؤمن الناس أن الإنسان خاطئ بطبعه، ولا يرجى له صلاح طالما حيويته فاعلة فيه، فتلك الحيوية ذاتها هي مكمن الشيطان. و"ملكوت الرب" [1] لا يمكن تحقيقه في الحياة الدنيا لكون الإنسان على هذا الطبع الخاطئ الدنس. ومن ثم يجب قتل هذه الحيوية ما أمكن للتغلب على الشيطان، والخلوص بالروح إلى الله، لتحقق ملكوت الرب في الآخرة، بالخلود مع النبيين والقديسين في عالم الصفاء الذي لا تكدره الشهوات ..

وهذا وذاك ليس من الإسلام ..

الخلود في النعيم -الذي هو أقصى آمال الإنسان- لا ينال إلا بالإيمان والعمل الصالح، والجهاد لإعلاء كلمة الله:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) [2] .

(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ) [3] .

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [4] .

والجسد وعاء الشهوات نعم، والشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم من العروق، والشهوات مطيته التي يغوى بها البشر ليخطئوا وينحرفوا عن سبيل الله ..

كل هذا صحيح .. ولكن علاج الأمر -في الإسلام- لم يكن قط بقتل هذه الشهوات من منبعها، واحتقار الجسد وتعذيبه. إن الله خلق هذه الدوافع في نفس الإنسان؛ لتكون حافزة لعمارة الأرض، والقيام بدور الخلافة فيها .. فإذا قتلناهما فما الذي يحفز؟ ومن الذي يعمّر؟!

إنما علاجها في الإسلام وضع ضوابط لها تضبط منطلقها دون أن تحبسها:

(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [5] .

والضوابط هي ما أنزل الله في كتابه، وفي سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- من حلال وحرام، ومباح وغير مباح ..

فإذا التزمت أوامر الله فالدوافع -المنضبطة بالضوابط الربانية- ليست مباحة فقط، بل في إجابتها أجر:

"قال عليه الصلاة والسلام: وإن في بضع أحدكم لأجرًا. قالوا: يا رسول الله إن أحدنا ليأتي زوجه شهوة منه ثم يكون له عليها أجر؟! قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فإذا وضعها في حلال فله عليها أجر" [6] .

وليست دنسًا ولا شيئًا مستقذرًا:

"حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة" [7] .

(1) يقصدون به الوضع الذي تتحقق فيه العبادة الخالصة لله والطاعة الكاملة لأوامره.

(2) الكهف: 107 - 108.

(3) آل عمران: 195.

(4) آل عمران: 142.

(5) الأعراف: 32.

(6) سبقت الإشارة إليه.

(7) أخرجه النسائي وأحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت