إنما الدنس هو الفاحشة، أي تجاوز الحد ..
وعلى ذلك فالمسلم لا يسعى إلى قتل دوافعه ليبعد عن نفسه سلطان الشيطان. إنما يلتزم بأوامر الله، وبما أحل الله له، فلا يجد الشيطان سبيلًا إليه .. وعندئذ يتحقق"ملكوت الله"في الحياة الدنيا، ولا يرجأ إلى الآخرة ..
إن الإنسان خطاء .. نعم."كل بني آدم خطاء".
ولكن ذلك لا يمنع من السعي إلى إقامة ملكوت الله -أي الالتزام بطاعة الله- في الحياة الدنيا. فهذا الإنسان -بكل ما يقع منه من خطأ وانحراف- قد كرمه الله تكريمًا، وفضله على كثير من خلقه تفضيلًا:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [1] .
وبما وهبهم من مواهب، وما علمهم من علم، وما سخر لهم من طاقات السموات والأرض كلفهم أن يقيموا ملك الله في الأرض، أي ينفذوا أوامره ويقيموا منهجه، ويطيعوه ويعبدوه وحده بلا شريك:
(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [2] .
والذين يتبعون الهدى الرباني، ويقولون"سمعنا وأطعنا"هم الذين يقيمون ملكوت الله في الأرض، ولهم الجنة في الآخرة.
(وَالَّذِينَ كَفَروا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [3] .
وهؤلاء الذين آمنوا، وأقاموا ملكوت الله في الأرض، لا يخرجون عن بشريتهم ولا يصبحون ملائكة .. إنهم خطاءون ككل بني آدم، ولكنهم توابون:
(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [4] .
ومن فضل الله على عباده أنه لا يطردهم من رحمته حين يخطئون، ما داموا يستغفرون ويتوبون، ولا يقول لهم إنهم غير مؤهلين -بسبب أخطائهم- لإقامة ملكوت الله في الأرض، بل يرضى عنهم ويباركهم:
(رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [5] .
تلك قضية الإنسان في الأرض كما يحددها المنهج الرباني، وهي تقتضي العمل قدر الطاقة لتحقيق ملكوت الله، والجهاد الدائم لدفع الشر وتمكين الخير في الأرض، ولا تقتضي العزلة، ولا تقتضي قتل الدوافع الحياة في نفس الإنسان.
فمن أين جاءت الصوفية بما جاءت به، وزعمت أنها تتقرب به إلى الله؟!
(1) الإسراء: 70.
(2) البقرة: 38.
(3) البقرة: 39.
(4) آل عمران: 135 - 136.
(5) البينة: 8.