من أين اعتزال الناس، وترك الخلق للخالق إن شاء هداهم [1] ، وقهر نوازع الحسد لتخليص الروح، والسلبية والتواكل، وجعل"العجز"فضيلة ترجى بركتها [2] !
إنها كلها لَيٌّ لتعاليم الإسلام، لتتلبس بشيء دخيل على الإسلام ..
وحين كانت الأزمة التي وقعت فيها الأمة الإسلامية هي الانحسار التدريجي لمقتضيات لا إله إلا الله، وبخاصة المقتضيات السياسية والاجتماعية منها، والتركيز المتزايد على الجانب الفردي وعلى الشعائر التعبدية، فقد جاءت الصوفية لتزيد الطين بلة، إذ جاءت لتؤكد هذين الجانبين بالذات، وتصرف النظر تمامًا عن المقتضى السياسي، وعن"الجهاد"عامة، سواء ما كان منه متعلقًا بصدّ أعداء الإسلام، أو كان متعلقًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الإسلامي ذاته ..
وقدمت الصوفية في الوقت ذاته مخدرًا آخر يضاف إلى المخدر الذي قدمه الفكر الإرجائي من قبل، يوهم أصحابه أنهم"واصلون"لا بالعمل ولا بالجهاد .. ولكن بالأوراد والأذكار، والأضرحة والأولياء، وبركات"الشيخ"، والخوارق والكرامات التي تتنزل -ببركة العجز- على المشايخ والأولياء!
وأخيرًا نتحدث عن"الغزو الفكري"وآثاره في مقتضيات لا إله إلا الله ..
ويجب أن نذكر أن الغزو الفكري كانت له جولتان اثنتان في حياة الأمة الإسلامية لا جولة واحدة ..
فأما الأولى فقد جاءت والأمة في عنفوانها، نتيجة خطأ وقع فيه فريق من"مفكري"الأمة، إذا ظنوا أن الفلسفة الإغريقية والمنطق الإغريقي أداة يمكن أن تستخدم في خدمة الإسلام!
وقد كان هذا عجيبًا .. ولكنه حدث على أي حال!
أقول كان عجيبًا لأن الأمة -في حركة النقل الهائلة التي قامت بها من التراث الإغريقي لتبدأ حركتها العلمية -كانت على وعي بما ينفعها من هذا التراث وما لا ينفعها، فكانت تنتقي ما تريده انتقاء. ودليل ذلك أنها برغم كل ما ترجمته عن اليونانية لم تترجم الأساطير اليونانية الشهيرة؛ لأنها رأت فيها وثنية لا تتناسب مع عقيدة التوحيد التي آمنت بها، وعبثًا من"الآلهة"لا يليق بجلال الله الذي آمنت به .. فلم تلتفت إلى تلك الأساطير إطلاقًا، واكتفت بنقل"العلوم"فحسب ..
(1) يقول تعالى لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [القصص: 56] ويقول تعالى: (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) [البقرة: 272] ولكنه أمر رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يبذل جهده في توصيل الهدى إليهم ودعوتهم إليه، ولم يقل له اقعد أنت وأنا أهديهم إذا شئت!.
(2) عدم اعتداد الإنسان بقدرته الذاتية، ورد الأمر إلى مشيئة الله وقوته وفضله، وطلب العون منه، كلها فضائل إسلامية، ولكن الصوفية حولتها إلى قعود عن الأخذ بالأسباب، ثم التماس تحقيق المراد من رب العباد بغير عمل يعمل، بحجة العجز، أو"ببركة العجز"! بينما الله يأمر عباده أن يتوكلوا عليه التوكل الحق وفي الوقت ذاته يتخذوا الأسباب: (وَقُلِ اعْمَلُوا .. ) [التوبة: 105] (وَأَعِدُّوا لَهُم .. ) [الأنفال: 60] (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) [الأنفال: 39] (راجع الهامشة رقم 3 ص60) .