أما المنطق والفلسفة فقد خدع فيهما فريق من"المفكرين"ظنًا منهم أنها أدوات محايدة لا تخدم الوثنية بالذات، وإنما يمكن أن تستخدم لخدمة الإسلام أيضًا، وساعد على هذا أن الخلفاء العباسيين ابتدعوا بدعة سخيفة وهي أن يدعو من"متكلمي"اليهود والنصارى من يناظر"المفكرين"المسلمين، فيتكلم هؤلاء في حق الإسلام ما شاء لهم هواهم، ثم يطلب الخلفاء من المسلمين أن يردوا عليهم! ولما كان اللاهوت اليهودي واللاهوت النصراني قد استخدما المنطق والفلسفة الإغريقيين في شرح عقيدتهما، فقد رأى"المفكرون"المسلمون يومئذ أنه لا بد أن يتعلموا المنطق والفلسفة أيضًا؛ ليتمكنوا من مناظرتهم!
إنها -في نظرنا- عملية عبثية أكثر منها جادة .. فما أغنى الإسلام والمسلمين عن هذا العبث اللاهوتي، وما أغنى الدين الرباني عن وسائل لشرحه وبيانه خلاف القرآن والسنة، اللذين قال عنهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي" [1] .
وأيًا كان الأمر، فقد كانت البلوى التي أصابت عقيدة لا إله إلا الله من هذا العبث هي اصطناع"لاهوت إسلامي"، اشتهر في تاريخ الإسلامي باسم"علم الكلام"! ونشأة ما أطلق عليه اسم"الفرق الإسلامية"التي تصطنع تفسيرًا إغريقيًا فلسفيًا للا إله إلا الله، ما أنزل الله به من سلطان!
ولقد بقيت البلوى محصورة على أي حال في طائفة من"المفكرين"لا تمس جمهور الأمة الذي بقي على سلامة فطرته، حتى بدأ الفساد يدب باقتطاع مقتضيات من مقتضيات لا إله إلا الله وإخراجها من الساحة، فهنا بدأت"الفرق"تجتذب إليها"جماهير"تصطنعهم لتحتمي بهم من النقد الموجه إليهم من العلماء الذين بقوا على الدين الحق والفطرة السليمة. وكان"الفكر الإرجائي"من أسوأ ما نبع من تلك الفرق واجتذب"الجماهير"!
أما أسوأ ما حدث في تاريخ الأمة فهو الغزو الفكري المعاصر ..
جاء هذا الغزو والأمة في خواء لا مثيل له من قبل .. فتوغل في حياتها كما لم يتوغل شيء من قبل ..
جاء وقد اقتطع من لا إله إلا الله معظم مقتضياتها، ولم يتبق منها إلا فتات متناثر لا يكون عقيدة صحيحة ولا عبادة صحيحة ولا ممارسة صحيحة .. إنما هي أقرب إلى أن تكون تقاليد -أو بقايا تقاليد- خاوية من الروح ..
حتى الشعائر التعبدية التي كان"الدين"قد انحسر إليها وانحصر فيها كانت قد تحولت إلى تقاليد .. ولم يعد للدين -على شدة تمسك الناس ببقاياه المتناثرة- تلك الروح الدافعة التي كانت له يوم أن كان دينًا حقيقيًا فاعلًا في شتى المجالات ..
ومع هذا الانحسار كله، كان قد بقي في حياة المسلمين -كما أشرنا من قبل- أمران أخيران لم يصل إليهما الانحسار بعد، وهما تطبيق الشريعة، والصلاة، أو قل إن شئت شعائر العبادة ..
وهذا هو الذي جاء الغزو الفكري ليمحوه!
وعلينا ألا ننسى أولًا أن الغزو ذاته ما جاء إلا بعد انحسار لا إله إلا الله عن مقتضياتها، سواء منه الغزو العسكري، أو السياسي، أو الاقتصادي، او الفكري .. وأنه لولا هذا الانحسار ما جرؤ الأعداء على غزو العالم الإسلامي، وقد جربوا الهزيمة المنكرة في الحروب الصليبية الأولى.
ولكنهم كانوا يتربصون ..
(1) أخرجه أبو داود.