الصفحة 4 من 46

فنّ الترتيل

الترتيل هو قراءة القرآن بتمهّل و إعطاء كل حرف حقّه من إشباع المدّ و توفية الغُنّات و تحقيق الهمزة، و تبيين الحروف و إعتماد الإظهار و التشديدات، و الترتيل و التجويد بمعنى واحد، و هو طريق عملي لرياضة الألسنة و تقويم الألفاظ و به نزل القرآن الكريم قال تعالى: {و رتّلِ القرآن ترتيلًا} ، و قال أيضا {و رتّلناه ترتيلًا} ، و قال النبيّ - صلى الله عليه وسلم - «إنّ الله يحبّ أن يُقرأ القرآن كما أنزل» [أخرجه ابن خزيمة في صحيحه] ،و قد قرأه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - على أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - بأمر من ربّه لتعليمه و إرشاده إلى كيفيّة آدائه و مواضع الوقوف و صيغ النغم فإنّ نغم القرآن قدّره الشرع بخلاف نغم غيره.

و الغاية من الدراسة عصمة اللّسان من الخطإ في كتاب الله، و حكم تعلّمه فرض كفاية على المسلمين، و حكم العمل به فرض عين على كلّ قارئ لكتاب الله و خاصّة فيما تعلّق بالصّلاة، و اعتبر العلماء قراءة القرآن بلا أحكام لحنًا (خطأ) يؤثم القارئ بفعله، قال شيخ المقرئين ابن الجزري رحمه الله:

و الأخذ بالتجويد حتم لازم ... من لم يجوّد القرآن آثم

لأنّه به الإله أنزلا ... و هكذا منه إلينا وصلا

و قال أيضا في كتابه (النشر في القراءات العشر) : «و لا شكّ أنّ الأمّة كما هم متعبّدون بفهم معاني القرآن و إقامة حدوده متعبّدون بتصحيح ألفاظه و إقامة حروفه على الصفة المتلقّاة من أئمّة القراءة المتّصلة بالحضرة النبويّة الأفصحيّة العربيّة التي لا يجوز مخالفتها و لا العدول عنها إلى غيرها، و النّاس في ذلك بين محسن مأجور و مسيء آثم أو معذور، فمن قدر على تصحيح كلام الله تعالى باللفظ الصحيح و عدل إلى اللفظ الفاسد العجمي أو النبطي القبيح استغناء بنفسه، و استبدادا برأيه و حدسه، و اتّكالا إلى ما ألفه من حفظه، و استكبارا عن الرجوع إلى عالم يوقفه على صحيح لفظه فإنّه مقصّر بلا شك، و آثم بلا ريب، و غاشّ بلا مرية، فقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «الدّين النصيحة: لله و لكتابه و لرسوله و لأئمّة المسلمين و عامّتهم» ،أمّا من كان لا يطاوعه لسانه أو لا يجد من يهديه إلى الصّواب بيانه، فإنّ الله لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها، قال الشيخ الإمام أبو عبد الله نصر بن علي بن محمد الشيرازي في كتابه (الموضّح في وجوه القراءات) في (فصل التجويد) منه بعد ذكره الترتيل و الحدر و لزوم التجويد فيها، قال:"... فإنّ حسن الآداء فرض في القراءة، و يجب على القارئ أن يتلوا القرآن حقّ تلاوته صيانة للقرآن على أن يجد اللّحن و التغيير إليه سبيلا، على أنّ العلماء قد اختلفوا في وجوب حسن الآداء في القرآن فبعضهم ذهب إلى أنّ ذلك مقصور على ما يلزم المكلّف قراءته في المفترضات، فإنّ تجويد اللّفظ و تقويم الحروف و حسن الآداء واجب فيه فحسب، و ذهب الآخرون إلى أنّ ذلك واجب على كلّ من قرأ من القرآن كيفما كان لأنّه لا رخصة في تغيير اللّفظ بالقرآن و تعويجه و اتخاذ اللحن سبيلا إليه إلاّ عند الضرورة، قال تعالى {قرآنا عربيّا غير ذي عوجٍ} .إنتهى. و هذا الخلاف على هذا الوجه الذي ذكره غريب، و المذهب الثّاني هو الصحيح، بل الصّواب على ما قدّمنا، و كذا ذكره الإمام الحجّة أبو الفضل الرّازي في تجويده، و صوّب ما صوّبناه و الله أعلم.» إنتهى. [النشر/الجزء الأوّل/الصفحات210 - 212] ."

و الترتيل أشرف العلوم الشرعيّة لتعلّقه بكتاب ربّ العالمين، و قد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتلونه حقّ تلاوته، حيث يشترك في الترتيل اللسان و العقل و القلب، فحظّ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، و حظّ العقل تفسير المعاني، و حظّ القلب الإتّعاظ و الإنزجار و الإئتمار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت