لمّا لم يكن للقارئ أن يقرأ السورة في نفس واحد، و لم يجز التنفّس بين كلمتين حالة الوصل، بل ذلك كالتنفّس في أثناء الكلمة وجب حينئذٍ اختيار وقف للتنفّس و الإستراحة، و تعيّن ارتضاء ابتداء بعد التنفّس و الإستراحة و تحتّم أن لا يكون ذلك ممّا يخلّ بالمعنى و لايخلّ بالفهم، إذ بذلك يظهر الإعجاز و يحصل القصد، و لذلك حضّ العلماء على تعلّمه و معرفته، كما رُوي عن عليّ - رضي الله عنه - قوله:"الترتيل معرفة الوقوف و تجويد الحروف".
و ينقسم الوقف الى أربعة أنواع هي:
1)اختياري: و يكون بمحض اختيار القارئ و هو المراد من هذا الباب.
2)اضطراري: و يكون لعارض خارجي كسعال أو غيره.
3)اختباري: و يكون عند سؤال ممتحن أو تعليم متعلّم.
4)انتظاري: و يكون لمن يجمع عدّة قراءات.
ينقسم الوقف الإختياري إلى أربعة أقسامٍ هي: الوقف التام، و الوقف الكافي، و الوقف الحسن، و الوقف القبيح.
1)الوقف التّام: هو الوقف على كلمة لها معنى و لا تعلّق لها بما بعدها لا من جهة المعنى و لا من جهة اللفظ (الإعراب) كالوقف على {مَلِكِ يَوْمِ الدِّين، وإِيَّاكَ نستعينُ، و أولائك هُمُ المفلحونَ، ... } فهذا هو الوقف التام الذي يجوز الوقف عليه و يجوز الإبتداء بما بعده لإستغنائه عمّا بعده معنى و لفظًا (إعرابًا) ،و تامّا لتمام لفظه و انقطاعه عمّا بعده، و أكثر ما يكون التام في رؤوس الآي نحو الوقف على {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ} و الإبتداء بـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ و إيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ،و قد يكون الوقف تامًّا قبل انقضاء الفاصلة (الآية) نحو {وَ جَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِهَآ أَذِلَّةً} هذا انقضاء حكاية بلقيس ثم قوله تعالى {و كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} رأس الآية، و قد يكون الوقف تامًّا وسط آية نحو: {لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جَآءَني} هو تمام قول الظّالم أبيّ بن خلف، ثم قال تعالى: {و كَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا} ،وقد يكون الوقف تامًا بعد انقضاء الآية بكلمة نحو {لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ من دُونِهَا سِتْرًا} آخر الآية، و تمام الكلام {كَذَلِكَ} أي أمر ذي القرنين كذلك.
و قد يتفاضل التام في التمام نحو {مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ (و) إيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إيَّاكَ نَسْتَعِينُ} كلاهما تام إلاّ أنّ الأوّل أتمّ من الثاني لإشتراك الثاني فيما بعده في معنى الخطاب بخلاف الإوّل.
و قد يكون الوقف تاما على اعراب أو تفسير و يكون غير تام على آخر نحو: {لا يَعْلَمُ تاوِيلَهُ إلاَّ اللهُ} وقف تام على أنّ ما بعده مستأنف، أي أنّ {الرَّاسِخُونَ في العِلْمِ} لا يعلمون التأويل لكن {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} ،و غير تام، و التمام {و َ الرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ} على أنّه معطوف عليه، و نحو {أَلم} و نحوه من حروف الهجاء فواتح السور الوقف عليها تام على أن يكون المبتدأ أو الخبر محذوفا أي: {هاذا ألم} أو {ألم هاذا} أو على اضمار فعل أي {قل ألم} على استئناف ما بعدها، و غير تام على أن يكون ما بعدها هو الخبر.