إنّ العلم الشرعي هو نور من الله تعالى يمنحه لعباده الأتقياء الأصفياء العاملين الّذين لا يخلوا زمان منهم ولله الحمد والمنة.
وقد تكاثرت الآيات والأخبار والآثار، وتواترت وتطابقت الدلائل الصريحة وتوافقت على فضيلة العلم والحث على تحصيله والاجتهاد في اقتباسه وتعليمه.
1 -ومن فضائل العلم: أنّه يصحح العمل ويصوّبه.
قال تعالى {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك:2]
قال الإمام فضيل بن عياض: أحسن عملا: أخلصه وأصوبه.
قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟
قال: إذا كان العمل خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل.
الإخلاص أن يكون لله تعالى، والصّواب أن يكون على سنّة رسول الله.
ولا يتسنّى للإنسان أن يحقق هاذين الشرطين إلاّ بالعلم.
قال [1] الإمام ابن القيم الجوزية:"العمل المقبول الّذي لا يقبل الله من الأعمال سواه، وهو أن يكون موافقا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مرادا به وجه الله، ولا يتمكن العامل من الإتيان بعمل يجمع هذين الوصفين إلا بالعلم، فإنّه إن لم يعلم ما جاء به الرسول لم يمكن قصده، وإن لم يعرف معبوده، لم يمكنه إرادته وحده، فلولا العلم لما كان عمله مقبولا، فالعلم هو الدليل على الإخلاص، وهو الدليل على المتابعة. اهـ"
ومن هنا نفهم قول الإمام البخاري: العلم قبل القول والعمل.
قال ابن المنير: أراد به أنّ العلم شرط في صحّة القول والعمل، فلا يعتبران إلاّ به فهو مقدم عليهما لأنّه مصحّح للنيّة المصححة للعمل. اه
قال [2] الشيخ ابن باز:"وهذا راجع إلى أنّه لا يمكن للإنسان المسلم أن يفهم دينه ويعمل به إلاّ إذا عرف أحكامه وأولاها اهتمامه وعنايته، وبذل جهده وطاقته للإلمام بها، لتكون عبادته لربّه بُنيت على أساس صحيح ومتين، ومن وفقه الله لمعرفة أحكام هذا الدّين والأخذ بها فقد هدي إلى صراط الله المستقيم وحصل على خير كثير."
فالعلم إمام العمل وقائد له، و العمل تابع له ومؤتم به، فكلّ عمل لا يكون خلف العلم مقتديا به فهو غير نافع لصاحبه.
قال مطرّف بن عبد الله بن شخير لإبنه كما رواه الدارمي في سننه:"يا بنيّ إنّ العلم خير من العمل بلا علم"
قال عمر بن عبد العزيز: من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح
وعلى هذا جاء عن إبن وهب قال: كنت عند مالك بن أنس فجاءت صلاة الظهر أو العصر وأنا أقرأ عليه وأنظر في العلم بين يديه فجمعت كتبي، وقمت لأركع. فقال لي مالك ما هذا؟ قلت أقوم إلى الصلاة، قال: إنّ هذا لعجب ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي كنت فيه إذا صحت النية فيه.
ومثله قال سفيان الثوري: ما من عمل أفضل من طلب العلم إذا صحت النية. رواها ابن عبد البر
2 -العلم يورث كمال الإيمان والخشية من الله تعالى:
فحقيقة الفقه في الدّين ما وقع في القلب ثمّ ظهر على اللسان فأفاد العمل وأورث الخشية والتقوى، كما أفاده التوربشي [3] ، وهذا ما أخبر به الله تعالى حيث قال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
قال [4] الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى:"أي إنّما يخشاه حقّ خشيته العلماء العارفون لأنّه كلّما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى كلّما كانت المعرفة به أتمّ، والعلم به أكمل كانت الخشية أعظم وأكثر"اه
والخشية هي الخوف المبني على العلم بعظمة من يخشاه وكمال سلطانه وهذا لا يبلغه إلاّ من سلك درب العلم النافع.
(1) مفتاح دار السعادة (1/ 157)
(2) مجموع فتاوى و المقالات [2/ 295]
(3) من تحفة الأحوذي
(4) تفسير إبن كثير (3/ 555)