الصفحة 8 من 27

واعلم أنّ ما ذكرناه في الفضل في طلب العلم إنّما هو في من طلبه مريدا به وجه الله تعالى لا لغرض من الدنيا، ومن أراده لغرض دنيوي كمال أو رياسة أو منصب أو جاه أو شهوة أو إستمالة النّاس إليه أو قهر المناظرين أو نحو ذلك فهو مذموم.

جاء في الحديث الصحيح الذّي رواه أبو داود: من تعلّم علما ممّا يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلاّ ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنّة يوم القيامة".وعرف الجنّة يعني ريحها. ... ومن صفة من يطلب العلم من أجل أمور الدنيوية:"

صفته في طلبه للعلم يطلب العلم بالسهو و الغفلة ذلك أن يختار العلوم ما توافق هواه، يعني أنّه لا يطلب العلم ليتعلم كيف يعبد ربّه من أداء فرائضه واجتناب محارمه، إنّما مراده في طلبه ليعرف أنه من طلاب العلم ولهذا تجده يسارع إلى العلوم التي فيها فخر وشرف عند المخلوقين ويغفل عن كل علم وجب عليه فيما بينه وبين ربه تعالى أن يعلمه فيعمل به.

من صفته أن يتفقه للرياء ويحاج للمراء، مراده في المناظرة أن يعرف بالبلاغة ومراده أن يخطّئ مناظره. إن أصاب مناظره الحق ساءه ذلك.

يحتج على خطئه وهو يعرفه، ولا يقّر به خوفا أن يذم على خطئه.

من صفته: يرجوا ثواب الله على بغضه من ظنّ به السوء من المستورين، ولا يخاف مقت الله على مداهنة للمتهوكين.

إن علم إزداد مباهاة وتصنعا، وإن إحتاج إلى معرفة علم تركه تكبرا.

من صفته: إن سئل عما لا يعلم تكبّر أن يقول لا أعلم حتّى يتكلّف ما لا يسعه في الجواب.

إن علم أنّ غيره أنفع للمسلمين منه كره حياته ولم يرشد الناس إليه.

إن علم أنّه قال قولا فتوبع عليه وصارت له به مرتبة عند من جهله ثم علم أنه أخطأ، تكبر أن يرجع عن خطئه، فيثبت بنصر الخطأ لئلا تسقط رتبته عند المخلوقين في زعمه.

وذلك راجع إلى من يطلب بالعلم رياسة الخلق و التعاظم عليهم وأن ينقاد الخلق و يخضعون له ويصرفون وجوههم إليه، وأن يظهر للنّاس زيادة علمه على العلماء ليعلو به عليهم ولهذا يجب على الطالب أن يعرف السبيل الأقوم لطلب العلم.

أوّلا: اعلم رحمك الله أنّ الله عز وجل فرض عليك عبادته، و العبادة لا تكون إلاّ بالعلم، واعلم أنّ العلم فريضة عليك، واعلم أنّ المؤمن لا يحسن به الجهل، فطلب العلم غايته رفع الجهل من النفس، وليعبد الله عز وجل كما أمر ليس كما تهوى النفس، فكان هذا المراد في السعي في طلب العلم معتقدا الإخلاص في السعي، لا ترى لنفسك الفضل في سعيك، بل ترى الله عز وجل الفضل عليك إذ وفقك لطلب العلم ما تعبده به من أداء فرائضه وإجتناب محارمه، قاله أبو بكر الآجري

كما أنه يطلب العلم ليكون من الدعاة إلى الخير، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر

قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122) قال الخطيب البغدادي في كتابه الفقيه و المتفقه: فالله تعالى جعل قوّة هذه الأمّة في فرقتين، الأولى عليها الجهاد في سبيل الله بالسيف، و الثانية عليها الجهاد في سبيل الله بالعلم، وذلك لئلا ينقطع جميعهم إلى الجهاد فتندرس الشريعة، ولا يتوفروا على طلب العلم فتغلب الكفار على الملّة، فحرس بيضة الإسلام بالمجاهدين، وحفظ شريعة الإيمان بالعلماء. انتهى كلام الخطيب، و سآتي بإذن الله إلى بيان معنى الآية في النقاط الآتية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت