و الجهل المذموم غالبا قسمان، القسم الأوّل هو الجهل مع الإعراض عن العلم، و القسم الثاني هو الجهل المركّب أي مع جهله لا يعلم انّه جاهل و يخوض في الأمور مع جهله.
1 -الجاهل ميت القلب و الروح: وإن كان حي البدن، فجسده قبر يمشي به على وجه الأرض
قال تعالى) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) (يّس:70 - 69)
وقال تعالى) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ) (الروم: من الآية52)
وقال تعالى) إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) (فاطر: من الآية22)
فشبههم الله تعالى - في موت قلوبهم - بأهل القبور، فإنهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم قبورا لها، فكما أنّه لا يسمع أصحاب القبور، كذلك لا يسمع هؤلاء، وإذا كانت الحياة هي الحس و الحركة وملزومهما فهذه القلوب لمّا لم تحس بالعلم و الإيمان ولم تتحرك له كانت ميتة حقيقة، وليس هذا تشبيها لموتها بموت البدن، بل ذلك موت القلب و الروح [والمقصود] أنّ القلب ميّت وحياته بالعلم و الإيمان. [1]
2 -الجهل من صفات المنافقين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"خصلتان لا تجتمعان في منافق حسن سمت ولا فقه في الدّين" [2]
وهذه شهادة بأنّ من إجتمع فيه حسن السمت و الفقه في الدين فهو مؤمن، فإنّ حسن السمت و الفقه في الدّين من أخصّ علامات الإيمان، ولن يجمعهما الله في منافق، فإنّ النفاق ينافيهما وينافيانه. [3]
وهذا فيه تحريض للمؤمنين على جمعهما، وزجرا لهم عن إتّصاف بأحدهما.
ومن الأدلة الموضّحة على أنّ المنافقين موصوفون بالجهل وقلّة الفهم، قوله تعالى) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: 16 - 17)
3 -الجهل سبب كلّ شرّ وبلية:
عرفنا في النقاط السابقة أنّ المعاصي و الذنوب وقسوة القلوب مفاده الجهل.
قال [4] ابن القيم: كلّ واحد منا مأمور بأن يصدّق الرّسول فيما أخبر به ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلاّ بعد معرفة أمره وخبره ولم يوجب الله سبحانه من ذلك على الأمّة إلاّ ما فيه حفظ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها فما خراب العالم إلاّ بالجهل، ولا عمارته إلاّ بالعلم وإذا ظهر العلم في بلد أو محلة قلّ الشر في أهلها، وإذا خفيى العلم هناك ظهر الشر والفساد ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل الله له نورا. قال الإمام أحمد: ولو لا العلم لكان الناس كالبهائم اهـ
وكذلك لابّد أيضا أن يعرف أنّ الشرك و البدع وإنتشارها بين الأمّة سببه هو الآخر الجهل.
حيث من جهل سنن الهدى ضلّ، ومن ضلّ إبتدع وأشرك، وإنّ هذا الجهل هو الذي كان سببا إلى:
* ردّ الأحاديث الصحيحة التي جرت غير موافقة لأغراض هؤلاء الجهّال ومذاهبهم، ويدّعون أنّها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل كالمنكرين لعذاب القبر و الصراط و الميزان ورؤية الله عزّ وجلّ في الآخرة، وكذلك حديث الذباب وقتله، وأنّ في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء وحديث الذي أخذه أخاه بطنه فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بسقيه العسل، وما أشبه ذلك من الأحاديث الصحيحة المنقولة نقل العدول.
(1) مدارج السالكين (3/ 262)
(2) الصحيحة (278)
(3) مفتاح دار السعادة (1/ 143)
(4) إعلام الموقعين (2/ 182)