الصفحة 9 من 27

و كلام الخطيب البغدادي لا يعني أنّ العلماء لا يشاركون المجاهدين في جهادهم، بل للعلماء وظيفة أكبر ممّا يتصوّره طالب العلم، فللعالم وظيفة الجهاد باليد مشاركا في ذلك المجاهدين، و عليه وظيفة الجهاد باللسان، ثمّ إذا قلنا أنّ العلماء ينقطعون عن ميادين الجهاد، فالمجاهدون يرجعون إلى من حينها؟، و العالم لا يقدر على أن يفتي المجاهدين بدون إدراك لواقع الجهاد، فلا يحسن أن يتكلّم المرء في مسائل الجهاد و هو ما شارك المجاهدين في جهادهم، إنّ ممّا إنتُقد على الإمام إبن حزم لمّا خاض في كتابه المحلّى في مسائل الحج فأتى بالغرائب، و علّلوا ذلك أنّ إبن حزم لم يحج فكان سببا لإتيانه بتلكم الغرائب، و هكذا صرنا في هذا الزمان نسمع الغرائب من بعض المشايخ لأنّهم بكلّ بساطة لم يشاركوا الأمّة في محنها، بل يتكلّمون و يفتون من الأبراج العالية و الله المستعان.

ثانيا: إعلم رحمك الله أنّ كلّ علم شرعيّ فطلب الشارع له إنّما يكون من حيث هو وسيلة إلى التعبد به لله تعالى؛ فإنّ روح العلم هو العمل.

قال سفيان الثوري: إنّما يتعلم العلم ليتقي به الله، وإنّما فضِّل العلم على غيره لأنّه يتقى به الله.

فالعلم الذي هو العلم المعتبر شرعا أعني الذي مدح الله ورسوله أهله على الإطلاق هو العلم الباعث على العمل، الذي لا يُخلي صاحبه جاريا مع هواه كيفما كان، بل هو مقيّد لصاحبه، الحامل له على قوانينه طوعا أو كرها، كذا قال الإمام الشاطبي في الموافقات.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من طلب العلم ليجاري به العلماء أو ليماري به السفهاء ويصرف به وجوه النّاس إليه أدخله الله النّار. حديث حسن رواه الترمذي وابن ماجه.

و ممّا يوضّح هذا الحديث:

قال هيثم بن جميل: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله، الرجل يكون عالم بالسنة، أيجادل عنها. قال: لا ولكن يخبر بالسنة فإن قبلت منه، وإلا سكت.

قال أبو الأسود الدؤلي: إذا أردت أن يكذبك الشيخ فلقنه.

وقال ميمون بن مهران: لا تمار عالما ولا جاهلا فإنّك إذا ماريت عالما خزن عنك علمه، وإن ماريت جاهلا خشن بصدرك.

وقال الخليل بن أحمد: إذا أخطأ بحضرتك من تعلم أنه يأنف من إرشادك فلا ترد عليه خطأه لأنك إذا نبهته على خطأه أسرعت إفادته واكتسبت عداوته.

وعلى هذا قال الخليل بن أحمد كذلك: أيامي أربعة يوم أخرج فألقى فيه من هو أعلم مني فأتعلم منه فذلك يوم فائدتي وغنيمتي، ويوم أخرج فألقى فيه من أنا أعلم منه فذلك يوم أجري، ويوم أخرج فألقى فيه من هو مثلي فأذاكره فذلك يوم درسي، ويوم أخرج فألقى فيه من هو دوني وهو يرى أنه فوقي فلا أكلمه وأجعله يوم راحتي.

وروى ابن عبد البر في كتابه جامع بيان العلم وفضله: عن أبي الدرداء قال: لا تكون تقيا حتى تكون عالما، ولا تكون جميلا حتى تكون عاملا.

وعن سفيان الثوري أنه كان ينشد متمثلا وهي لسابق البربري:

إذ العلم لم تعمل به كان حجة ... عليك ولم تعذر بما أنت حامله

فإن كنت قد أوتيت علما فإنّما ... يصدق قول المرء ما هو فاعله

وعلى هذا كان أبو الدرداء يقول: ما أخاف على نفسي أن يقال لي ما علمت؟ ولكن أخاف أن يقال لي ما عملت.

عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نّار، كلّما قرضت وفّت، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء من أمّتك الّذين يقولون ولا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون. رواه ابن حبان و البيهقي وهو في الصحيحة.

ولهذا قال الإمام مالك: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنّه نور يجعله الله في القلوب

وقال: العلم والحكمة نور يهدي به الله من يشاء، وليس بكثرة المسائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت