وهذا عليه علامة ظاهرة وهو التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود وذلك عبارة عن العمل بالعلم من غير مخالفة.
قال ابن مسعود: ليس العلم عن كثرة الحديث إنّما العلم خشية الله.
ثالثا: اعلم رحمك الله أنّ الله ذكر في كتابه العلم تارة في مقام المدح وهو العلم النافع، وذكر العلم تارة في مقام الذم وهو العلم الذي لا ينفع.
فقد أخبر عن قوم أوتوا علما ولم ينفعهم علمهم لإعراضهم عنه، فهذا علم نافع في نفسه لكن صاحبه لم ينتفع به، قال تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثم لم يحلوها -الآية) (الجمعة: من الآية5)
وقوله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَاخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَاتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَاخُذُوهُ) (لأعراف: من الآية169)
وأمّا العلم الذي ذكره الله تعالى على جهة الذمّ فكقوله تعالى في السحر: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ َ) (البقرة:102)
وقوله تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) (الروم:7)
ولذلك جاءت السنّة بتقسيم العلم إلى نافع وغير نافع، والإستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال العلم النافع، ففي صحيح مسلم عن زيد بن الأرقم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إنّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها.
و العلم الّذي لا ينفع قسمان: الأوّل علم لا ينفع لذاته كما مرّ كالسحر. و الثاني: هو علم نافع لذاته، لكنّه صار غير نافع لصاحبه إمّا لترك العمل فصار حجّة عليه يوم لا ينفع مال و لا بنون إلاّ من أتى الله بقلب سليم، و إمّا أنّه طلب هذا العلم لغرض فاسد في نفسه.
رابعا: الإعراض عن المسائل التي لا ينبني عليها عمل، مثال ذلك: قال تعالى) يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) (البقرة: من الآية189) فوقع الجواب بما يتعلّق به العمل، إعراضا عما قصده السائل من السؤال عن الهلال لمَ يبدو في أوّل الشهر رقيقا كالخيط ثم يمتلئ حتى يصير بدرا ثم يعود إلى حالته الأولى.
وقال تعالى بعد سؤالهم عن الساعة) يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا، فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا) (النازعات:42، 43) .أي أنّ السؤال عن هذا الأمر سؤال لا يعني إذ يكفي من عِلمها أنّه لابدّ منها، ولذلك لما سئل صلى الله عليه وسلم عن الساعة، قال للسائل: ماذا أعددت لها؛ إعراضا عن صريح سؤاله إلى ما يتعلق بها مما فيه فائدة ولم يجبه عما سأل.
وسبب الإعراض عن هذه المسائل:
••أنّ الإشتغال بها: هو إشتغال بما لا يعني، إذ لا ينبني عن ذلك فائدة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهو تعطيل الزمان في غير تحصيل.
••إنّ عامّة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة، والخروج عن الصراط المستقيم، ويثور بينهم الخلاف و النزاع المؤدي إلى التقاطع و التدابر والتعصب. قاله الشاطبي في الموافقات.
خامسا: معرفة أقسام العلم: هذا التقسيم يرشد الناظر إلى ما وراءها حتى يكون على بيّنة فيما يأتي من العلوم ويذر، فإنّ كثيرا منها يستفز الناظر استحسانها ببادئ الرأي، فيقطع فيها عمره، وليس وراءها ما يتخذه معتمدا في عمل ولا اعتقاد فيخيب في طلب العلم سعيه و الله الواقي.
القسم الأوّل: هو الأصل و المعتمد، والذي عليه مدار الطلب وإليه تنتهي مقاصد الراسخين كدراسة العقيدة و التوحيد ودراسة القرآن و السنة وعلوم الآلة كاللغة و الأصول وعلم الحديث.