ومما يجب التنبيه عليه، ما قال الخطيب البغدادي: وليعلم أنّ الإكثار من كتب الحديث وروايته لا يصير بها الرجل فقيها وإنما يتفقه بإستباط معانيه وإنعام التفكر فيه. اهـ
القسم الثاني: وهو المعدود في ملح العلم لا في صلبه، كإستناد إلى الأشعار في تحقيق المعاني، ومنهم من جعل قراءة فتاوى العلماء من ملح العلم وهذا له وجه، و كالبحث عن حكم العبادات.
القسم الثالث: وهو الذي ليس من الصلب ولا من الملح وشأنه أن يعكر على أصله أو على غيره بالأباطيل مما صح كونه من العلوم المعتبرة، أو كان منهضا إلى إبطال الحق وإحقاق الباطل على الجملة، فهذا ليس بعلم لأنّه يرجع على أصله بالإبطال، ولا هو من ملحه، لأنّ الملح هي التي تستحسنها العقول وتستملحها النفوس، هذا وإن مال بقوم فاستحسنوه وطلبوه فلشبه عارضة، واشتباه بينه وبين ما قبله فرّبما عدّه الأغبياء مبنيا على أصل فمالوا إليه من ذلك الوجه، وحقيقة أصله: وَهمٌ وتخييل لا حقيقة له مع ما ينضاف إلى ذلك من الأغراض و الأهواء كالإغراب باستجلاب غير المعهود و الجعجعة بإدراك ما لم يدركه الراسخون، ومثاله ما انتحلته المعطلة و المحرفة في أسماء الله وصفاته. قاله الشاطبي في الموافقات.
سادسا: الجدّ في الطلب: ينبغي لمن اتّسع وقته وأصلح الله له جسمه، وحبب إليه الخروج عن طبقة الجاهلين، وألقى في قلبه العزيمة على التفقه في الدّين أن يغتنم المبادرة إلى ذلك خوفا من حدوث أمر يقتطعه عنه، وتجدد حال تمنعه منه، و الّذي يدعو إلى الحرص على العلم هو العلم نفسه، إذ إنّه كلّما زادت المعرفة، إتّسعت منطقة المجهول، قال الشاعر:
إذا أنت أعياك التعلم ناشئا ... فمطلبه شيخا عليك شديد
قال مالك بن أنس: لا يبلغ أحد من هذا العلم ما يريد حتى يضر به الفقر.
قال الشافعي: لا يطلب العلم أحد بالمال، وعز النفس فيفلح، ولكنّه من طلبه بذلّة النفس وضيق العيش أفلح.
وقال: من لم يحتمل ذلّ العلم ساعة، بقي في ذلّ الجهل أبدا. ... وقال سعيد بن المسيب: كنت أرحل الأيام و الليالي في طلب الحديث الواحد.
وروى الخطيب في تاريخه من طريق عمر بن حفص الأشقر: إنّهم فقدوا البخاريّ أياما من كتابة الحديث بالبصرة، فقال: فطلبناه، فوجدناه في بيت وهو عريان، وقد نفذ ما عنده ولم يبق معه شيء، فاجتمعنا وجمعنا له الدراهم حتّى اشترينا له ثوبا وكسوناه، ثمّ اندفع معنا في كتابة الحديث.
قال الشافعي: والناس طبقات في العلم موقعهم من العلم بقدر درجاتهم فيه فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الإستكثار من علمه والصبر على كلّ عارض دون طلبه وإخلاص النية لله في إدراك علمه نصا واستنباطا، والرغبة إلى الله في العون عليه فإنه لا يدرك خيرا إلا بعونه. اهـ ذكره الخطيب عنه.
ومن الجدّ في الطلب أن يبدأ بالأهم فالأهم
قال الشاعر:
ما أكثر العلم وما أوسعه ... من ذا الذي يقدر أن يجمع
إن كنت لابدّ له طالبا ... محاولا فالتمس أنفعه
بأن يبدأ ما يحتاج إليه في حياة يومه كمعرفة الله تعالى واستحقاقه للعبودية الكاملة له ونبذ الشرك صغيره وكبيره خفيه وجليه؛ و تحسين العبادات على وفق السنة الصحيحة ونبذ البدع عنها.
قال إسحاق بن رهويه: طلب العلم واجب ولم يصح فيه الخبر، إلاّ أنّ معناه أنّه يلزمه طلب علم ما يحتاج إليه من وضوئه وصلاته وزكاته إن كان له مال وكذلك الحج وغيره.
وقال ابن المبارك: فريضة على من وقع في شيء من أمر دينه أن يسأل عنه حتّى يتعلمه.